الرجوع لصفحة القراءة

الرجوع لصفحة مقالات

 14 مقال حول ادب الاطفال

 

 من موقغ سلوىللدراسات والنشر ( الاردن ) اخترنا لكم هذه المقالات

 

1.   حب الكتاب يبدأ منذ الصغر 

عندما ينشأ الطفل مع عائلة تشجعه على المطالعة وتوفر له الكتب المناسبة لكل مرحلة عمرية يصبح الكتاب جزءاً مهماً من حياته ويعود عليه بالفائدة طوال عمره .
حسب الاحصائيات فإن الطفل القارىء هو طفل متفوق في الدراسة ولاعجب في ذلك لأن القراءة

 تعرفه على معلومات جديدة.
 تؤكد معلومات مرّت عليه .
تسهل عليه ميكانيكية القراءة
تثري محصوله اللغوي .
 تستثير خياله .
 تنمي الذاكرة عنده 

لترسيخ عادة المطالعة عند الأطفال منذ الصغر

 تخصيص وقت خاص للقراءة مع الطفل.
( من المهم أن يكون هذا الوقت مناسباً للطفل والأم أو الأب حتى لا تصبح قراءة القصة عبئاً فيشعر الطفل بتأفف الوالدين ويبتعد عن الكتاب)
 اختيار كتب مناسبة ومنوعة لتقرأ لهم ولتكون نواة لمكتبة خاصة لأطفالكم .
 في هذه المرحلة العمرية يتعلق الأطفال بقصة معينة وقد يطلبون إعادة سردها مراراً وتكراراًا
.

لا مانع من سرد القصة باللغة العربية العامية  أول مرة خصوصاً للأعمار الصغيرة ولكن عند قرائتها لمرة ثانية أو ثالثة فيستحسن قرائتها باللغة العربية الفصحى على أن تكون لغة عربية فصحى مبسطة يفهمها الطفل بسهولة.

 تشجيع الطفل على إعادة سرد القصة من الصور وذلك لتنمية مهاراته اللغوية 

التأكيد على المفاهيم اللغوية والذهنية التي تمر عليه في الروضة خلال

القراءة القصصية وذلك بالطلب منه الاشارة إلى لون معين أو شكل
أو ملاحظة حرف أو كلمة.آخذين بالاعتبار أن الهدف الأول من قراءة القصة هو المتعة والتسلية وليس بالضرورة التدريس

تشجيع الأطفال على القراءة وذلك بالتناوب على قراءة القصة مع الطفل حتى يتمكن الطفل من القراءة لوحده بطلاقة

من خلال الكتاب يمكن للوالدين أن يرسخوا بعض العادات المحببة أو يعالجوا بعض تصرفات أطفالهم بطريقة غير مباشرة

تشجيع الأطفال على صناعة كتب خاصة بهم عن طريق قصة ولصق من مجلات قديمة وإعادة استخدام مواد من البيت.
-الاشتراك بأقرب مكتبة عامة حتى تتوفر الكتب المنوعة للأطفال

 

 

2.   ماذا تكتبون للأطفال؟

آنا ماجادو
كاتبة قصص أطفال برازيلية

إن الاجابة على هذا السؤال تبدو لي صعبة جداً وقد توصلت إلى هذه القناعة بعد تفكير طويل. الواقع ان السؤال يتضمن شقين. الأول «لماذ نكتب؟»، والثاني «لماذ نكتب للأطفال بالذات؟»، وسأحاول ان اُبين باختصار ما دار في ذهني من أفكار حول هذا الموضوع، كما ساُجيب علي شقي السؤال كل على انفراد.

مرضتُ قبل أعوام مرضاً شديداً وخلال مرحلة معينة من العلاج انتابتني حالة عصبية منعتي من الكتابة لم أكن استطيع ان اُبين ما يدور في خلدي، كنت أفكر بشيء وأقول شيئاً آخر، ولقد حاولت حتى في ذلك الوضع السيء ان أكتب، ولكني في اليوم التالي عندما أخذت أقرأ ما كتبت وجدته شيئاً تافهاً لا معنى له أبداً، يومها جلست وبكيت، لقد كانت أتعس أيام حياتي. كنت متأكدة لو أن وضعي استمر على هذه الحالة فترة أطول لمااستطعت ان أستمر في حياتي. لقد عرفت من هذا الواقع المر ان الكتابة تعتبر بالنسبة لي أمراً حياتياً وان استعمال وانتخاب المصطلحات لكشف ونقل المفاهيم الغنى هي شرط لاستعادة عافيتي.

عرفت أيضاً ان الكتابة هي الدليل الحقيقي علي هويتي. وبعد فترة جرى تغير في العلاج واستبدل الدواء الذي كان يسبب لي الدوران وعدم التوازن بدواء آخر، وبالنتيجة فقد بدأت أتذكر الكلمات والمصطلحات وبدأت بالكتابة وكأني بالكتابة وحدها أتعرف على نفسي وأعود اليها من جديد. لقد مكنني هذا التحول من الخروج من ذلك البئر العميق الذي كنت محبوسة فيه، فكانت حصيلة تلك الأيام كتاب تحت عنوان (بيسا بيا بيسابل) والذي حصل على عدة جوائز، أشار النقاد إلى انّه من أنجح كتبي (لا يبدو للوهلة الاُولى ان للكتاب صلة بحالتي النفسية تلك، ولكن لو نظر إلى الكتاب بعطف أكثر بعيني أنا ـ على الأقل ـ فسيظر ذلك

الكتاب بوضوح تلك اللحظات الحرجة والعصبية التي كنت أمر بها.

الكتاب قصة تدور حول بنت تعثر على صورة لأم جدتها لكنها تفقد تلك الصورة، وبالتالي تتخيل البنت ان تلك العجوز قد أصبحت حية في داخلها وتحاول ان تُسدي لها النصح فيما تواجهه من مشاكل، وشيئاً فشيئاً تبدأ البنت بسماع صوت ابنة حفيدتها. صوت يتحدث عن الطرق الجديدة في الحياة والمستقبل.

لقد كان هذا الكتاب يقرأ بسهولة وهو شيق وشاعري إلى حد ما، كما انّه لا يبدو مكتوباً في تلك الأيام المرة. في هذا الكتاب يوجد سر الكتابة، وقد يعثر بين طياته على سر أهمية الكتابة يمكنني أن أكون والى أي مدى يمكنني ان أحتفظ بهويتي في المستقبل وابقى كما كنت، وكم يمكنني أن أبقى وفية لماضيي واُكافح من أجل أهدافي في نفس الوقت الذي أؤمن فيه بالتطور في العالم والذي أعتبره ضرورياً برأيي؟ لقد كان الكتاب يشمل على هذا الموضوع أيضاً، فهو يستطلع التغييرات التي تطرأ على نفسية المرأة في المراحل المختلفة، وكيف يمكن للأجيال المختلفة ان تعيش معاً وتتعلم من بعضها البعض وتصحّح أخطاءها، لكن الكتاب مع ذلك لا يحمل أية دلالات تشير إلى أيامي المتأزمة وغير المستقرة تلك لأنها حتى إن وجدت تكون قد استحالة وبدلت أشكالها كاليرقات التي تتحول إلى فراشات حيث لا يمكن ان تتصور انها كانت يوماً ما يرقات. لقد تغيّرت حالاتي النفسية والجسمية إلى صور أخرى أصبحت لا أعرفها، فقد اكتسبت صورة أخرى ربما كانت صورة ذلك الانعتاق والانطلاق الذي كنت أتمناه. ان السر كله يكمن هنا:

فالانسان لا يكتب الكتاب، لان الواقع هو ان الإنسان يعمل فقط والكتاب يكتب نفسه بنفسه، فعندما يعمل أحدنا ويترك الطريق مفتحاً فالموضوع يسيل في مجراه ويصنع نفسه لكن هذا الأمر هو وجه آخر للموضوع وسأتطرق إليه لاحقاً. لأني أريد الآن الاجابة على السؤال: لماذ نكتب؟

في الواقع لقد وجدت جواباً مقبولاً آخر عندما كنت قد شفيت لتوّي من المرض، كنت أكتب في الواقع لأتذكر لاُسجل واُثبت ذكرياتي حتى لا تنسى، والى حد ما كنت أكتب للآخرين لكي أشركهم في ذكرياتي، ولكن وعلى أية حال كنت أكتب لنفسي أيضاً لاُبقي بعض حالاتي وتأثراتي حية، ولذلك فأني أستعرض في ذاكرتي تلك الذكريات التي لا تريد أن تبتعد عني وتلح في الحضور على ذهني وفي كل مرة أنظر اليها من زاوية جديدة، إلى ان يأتي اليوم الذي ربما أجد لها حلاً لاُخفّف من ألمها ووطئتها وإلاّ فلا يمكن أن تنسى. قد يمكنني أن أوضح الموضوع أكثر، لنفرض بأني أكتب لاني كنت أعشق، لأنهم كانوا يحبوني، أو لأنهم كانوا لا يحبوني، أكتب لأني فرحة، لأني غير مرتاحة، لأني متوترة وحالات أخرى مثل هذه لم تكن هذه حالات مهمة بالنسبة لي، المهم هي تلك الحالات المحسوبة التي تؤثر فيّ بشدة وتدفعني للكتابة هي ذكريات الماضي التي تختفي لفترة ثم تظهر على أثر بعض المؤثرات مرّة أخرى وبشكل جديد.

حول هذا الموضوع تشير الكاتبة الأمريكية ماري كوردن على لسان الرسّام وهو أحد شخصيات قصتها «رجال وملائكة» إذ يقول الرسام في مكان من هذه القصة: الذكرى هي أكبر مبدع للأذواق لدينا، فالأشياء التي نستسيغها اليوم ما هي الا صورة ووقائع مرت علينا وانطبعت في ذاكرتنا وشذبتها الأيام. فالطفل لا يمكن ان يشرح بالكلام معنى الجمال. فهو يمر على شيء جديد وممتاز وهو لا يري بأنه قد تأثر به وان ذلك الشيء قد ترك فيه أثراً لا يزول، بمعنى ان الطفل قد تأثر بعمق بذلك الشيء لكنه لا يستطيع أن يبين ذلك بالكلمات، لكنه عندما يكبر ويرى ذلك الشيء مرة أخرى، عندها يسمع صوتاً يرن في ذاكرته ويجد ان كلمة «الجمال» تجري على لسانه.

والفنّان يصور دائماً خمس أو ست جمل تكن قد انطبت وترسخت في قلبه بحيث صار لا يحس ببقية الآلام، أنا أوافق بشكل كامل على قول الكاتب هذا وأصور ان الكاتب ينتقي دائماً وقائع وظروف ترتبط وتتداخل مع حدود دنياه الخاصة ويصوغها ويكتبها بأسلوب ينبع أيضاً مع عالمه الذهني وصفاء روحه، ولكنه في نفس الوقت يعمد إلى تغيير الظروف والشخصيات والأجواء وغير ذلك ويخلق شيئاً جديداً، لكن القارىء الفطن يعرف أثر الكاتب، فما ان يقرأ صفحة من الكتاب حتى يقول ان هذا هو «بروست» أو «همنغواي» أو «غارسيا ماركيز»، ولهذا حتى لو لم يكتب الكاتب شيئاً عن الشخصية أو الحدث والظروف فاننا نستطيع من خلال معرفتنا باسلوبه في الكتابة وطريقته في الحوار ورصده للأحاسيس ونظراته إلى العالم أن نرض انّه لو كان قد كتب حول تلك المواضيع فاننا نعرف الكيفية التي سيكتب بها عنها. إذن فنحن نستطيع ان نقول بأن كاتب هذه القطعة الأدبية هو الكاتب الفلاني لأننا نعرف طريقة تفكيره وما يشغل ذهنه وذكريات الماضي التي أثرت بعمق على أعمال الكاتب، نعرف ذلك من خلال صلاته بالوقائع والملامح التي لا يمكنه أن ينساها ومن خلال معرفتنا بميراثه الثقافي وشخصيته. وهذا هو أحدأسرار الكتابة أيضاً فالكاتب يكتب لأن ذكرياته وبقاياها لا تزول.

في دائرة ماضيي المشحون بذكريات مبعثرة، هناك صور لم أجرّبها بنفسي، لكنها تركت في ذني أثراً بليغاً، هذه الذكريات انعكست عليّ من القصص التي سمعتها وقرأتها أو شاهدتها في السينما أو المسرح أو التلفزيون، لقد كان تأثير هذه المشاهد والذكريات عليّ كبيراً إلى الدرجة التي أعتقد فيها أن كل شيء قد بدأ أصلاً من هنا، وقد تكون تلك المشاهد والذكريات السبب الحقيقي وراء اتجاهي لأن أكون كاتبة لأني ومنذ الطفولة كنت أعشق القصص، كنت أسمعها ثم أخذت بعد ذلك بقراءتها كما كنت أشاهد الأفلام والتمثيليات ذات القصص الجيدة، كنت أحبها كثيراً، بعد تلك المرحلة بدأت بقراءة أنواع أخرى من الكتب مثل الشعر والمقالات وغيرها، لذلك فاني أعتقد ان هذا السؤال مهم وجذاب جداً وذلك لأنه ينظر الي وجهي القضية...

لماذا تكتب للأطفال؟ وأيها الاطفال، لماذا تقرأون؟

وهذا واضح فكل من يكتب فانه كان في الطفولة يعشق القراءة. ففي طفولتي كانت لي جدة تعرف القراءة والكتابة فقط، لذا فهي لم تقرأ قصصاً كثيرة، لكنها كانت تعرف قصصاً شعبية كثيرة، وكانت لها مهارة عجيبة في سرد تلك القصص، فقد كانت تبعث الروح في القصة وتثبّتها في ذن الأطفال وروحهم، وورثت ابنتاها المهارة (أمي وخالتي) هذه المهارة، أما أمي وخالتي فقد قرأتا قصصا جديدة أضيفت إلى ذلك الخزين من القصص. وفي هذه الأجواء تعرفت لأول مرة على عالم «الأخوين كريم» و«هانس آندرسن» وعرفت أول كاتب برازيلي كبير يكتب للأطفال هو «مونتريو لوباتو» الكاتب الذي كانت أجواء قصصه تشابه إلى حد بعيد الأجواء التي كنت أقضي فيها العطل وكان هذا يوجد مزيجاً ساحراً بين الواقع والخيال جعل حياتي تنغمر في فرح وسحر وحبور لن أنساه، ثم بدأ أبي، ربما ليقف أمام ذلك النوع من السرد النسائي للقصص، يعرّفني على القصص الكلاسيكية، أعتقد انّه كان يطالع لوحده خلاصة بعض القصص ثم يقصها عليّ فيما بعد، لست متأكدة من هذا، لكنه كان دائماً يقص علي تلك القصص دون أن يقرأ في كتاب، كان يريني أحياناً صور الكتاب لكنه كان يقص عليّ بكلماته الخاصة، وهكذا فاني كنت في السابعة من عمري أعرف علي بابا والسندباد، ودون كيشوت بشكل خاص، والذي كنت أعرفه أكثر من الآخرين، وفي الواقع كان دون كيشوت أول أصدقائي لأن تمثاله البرونزي كان على منضدة أبي وهو يركب حصانه وسانشو يتبعه راكباً حماره.

كل عام عندما تبدأ العطلة الصيفية كنا نذهب إلى ساحل البحر مثلما أفعل اليوم عندما أذهب مع أطفالي إلى نفس الساحل بالضبط، كما كانت تفعل أمي عندما كانت طفلة، والآن وأنا أكتب هذه السطور فأنا في نفس المكان على الساحل، كلما أرفع عيني عن الورقة وأنظر من خلال النافذة إلى الخارج أرى نفس ذلك الساحل القديم، وها أنا أكتب هذا المقال والطرف الأخر من العالم يقضي أيام عيد رأس السنة، وسأقراه عندما يحل الشتاء هنا. أجل فاننا وكما قلت كنا نقضي الصيف على ساحل البحر وأرجو أن لا تتصور ان هذا الساحل من تلك السواحل التي يذهب اليها السواح فهو لا يشبهها أبداً، فالمكان الذي كنا نقصده كان قرية صغيرة يسكنها صيادو الأسماك وتلك القرية مؤلفة من حوالي عشرين إلى ثلاثين كوخاً مغطاة بورق النارجيل وكانت شباك الصيد مدلاة في كل مكان كي تجف، ولا يوجد في تلك القرية أي أثر للكهرباء، والشيء الوحيد الذي تجده هناك للأكل هو السمك والفواكه، أما الطريق الوحيد الموصل إلى القرية فيتبع الظروف فهو اما موحل أو ترابي مغبر، ومن أجل الوصول إلى القرية يستفيد السكان من الخيل والحمير أو العربات التي تجرها الثيران ولم تكن هناك سيارات تصل إلى القرية بانتظام، لذا فقد كان جدي يستأجر شاحنة يملأها بأكياس الرز والباقلاء والسكر والملح والدهن والبطاطا وعدة أقفاص للدجاج كي نستفيد منها عندما يشح السمك.

كانت جدتي تجلس إلى جانب السائق وتجلس ابنتها إلى جانبها، وإذا ما كانت عروستها (زوجة ابنها) حاملاً فقد كانت تجلسها إلى جانبها مكان ابنتها، أما جدي وبقية العائلة فيجلسون على الشاحنة فوق الأكياس والحقائب والأقفاص وغيرها، ولا تأتي الشاحنة إلى القرية مرة ثانية لا إبعد ثلاثة أشهر لكي نعود معها إلى المدينة والمدرسة مرة أخرى.

وكنا نلعب طوال الصيف ونتسلق الأشجار ونركب الخيل ونلعب على رمال الساحل، نسبح ونصطاد السمك.. وفي كل يوم وبعد غروب الشمس كنا نستمتع بالقصص حيث كانت جدتي تستلقي على سريرها الهزاز وتقصها علينا، أما أمي فقد كانت تجلس جنب النار وتقص قصصها علينا، لقد كانوا يوقدون النار لكي يطردوا البعوض، أما خالتي التي تصغر أمي بالعمر فتفضل ان تروي لنا القصص وهي ماشية، حيث كانت تجمعنا نحن الأطفال وكان عددنا يتراوح بين عشرة إلى اثني عشر طفلاً، وتأخذنا إلى الساحل لنتمشى على الرمال تحت ضوء القمر وهي تحكي لنا عن الجن والسحرة، والثعابين والملائكة.. كان تحكي لنا عن البحر والملك والأمير لنسافر مع تلك القصص في البحار والجبال والسماوات، لهذا فانا كنا لا نطيق الانتظار حتى يحل الليل حيث كنا نطلب منها وقت الظهر عندما يشتد الحر ونلجأ إلى داخل الكوخ أو نستظل تحت الأشجار أن تقص علينا «قصة واحدة»، لكن الجواب كان دائماً «وقت القصة هو في الليل، وإذا قص أحد في النهار فانه...»، وشيئاً فشيئاً علمنا انّه إذا ما قرأنا القصص بأنفسنا في أي وقت فلن يحدث أي شيء!! وعلى هذا النحو حصلنا على الاستقلال والاكتفاء الذاتي على الاقل عندما كانت الشمس في السماء، ومنذ ذلك الحين أضيفت الكتب إلى أحمال الشاحنة، وكان كل من أولاد الخالة يحمل معه كتابه المحبوب، وهكذا فتحت أمامنا الأبواب على قصص العالم.

عندما كنا نعود إلى المدينة ونذب إلى المدرسة، كان أخواني وأختي يطلبون مني أحياناً أن اقص عليهم أحدى قصص جدتي، واحدى تلك القصص التي لم تكن موجودة في أي من الكتب، أقصها عليهم، وبعدها كتبتها في دفتر خاص ثمّ رسمتها مثلما فعلت مع بقية القصص، وشيئاً فشيئاً بدأت أكتب قصصاً من تأليفي ربما كانت تلك البداية لانطلاقة كاتبة المستقبل، ولكن لماذا لم أصبح رسامة؟ أو لماذا لم أجعل السينما ميداناً لقصصي؟ ولماذا لم يصبح أخوتي الأربعة وأخواتي الأربع وأبناء وبنات خالاتي الأربع والعشرين الذين كنا نقضي العطلة سوية معهم، لماذا لم يصبح أياً منهم كاتباً؟ ولماذا أصبحت أنا الكاتبة الوحيدة من بينهم؟ لقد عدنا إلى السؤال مرة ثانية، لكن يمكننا الآن ان نتقدم قليلاً، لقد بدأنا نتعارف قليلاً قليلاً، فأنتم أصبحتم الآن تعرفونني أكثر، فلقد حدثتكم عن نفسي، وأصبحت قادرة على أن أبوح لكم بأحد أسراري، كانت حالة عجيبة تنتابني، وحسب قول الناقد الفرنسي «رونالد بار» الذي كان معلماً وصديقاً لي، انها نوع من المرض كان يعاني هو أيضاً من تلك الحالة. لقد أصبحت أعشق الكلمات إلى حد الجنون، وكنت مفتونة بالمعاني، كنت أمجد الكتابة الجيدة وأجد وراء الكلمات وداخلها كنزاً مخبوءاً، وحتى عندما أحاول ان أكون منطقية وأفكر بطريقة منطقية أصل إلى هذه النتيجة العجيبة.. ان الكلمات هي التي تبين الفرق بين الإنسان والحيوان تمحو الفواصل وتدوم أكثر من كل نتاجات الإنسان وتحفظ قوتها وأثرها، فالأوديسة مثلاً لا تزال حية رغم مرور قرون عليها ولا تزال تعمر أكثر من أي بناء آخر بناه الإنسان  صحيح ان الأهرام الثلاثة والمعابد القديمة لا تزال قائمة وهي دليل على قدرة الإنسان في تلك العصور، لكن كل هذه الآثار ميّتة، ولا أحد يمكنه الإفادة منها وهي تنتسب إلى عصر قد مضى، لكن الأمر يختلف بالنسبة للأوديسة التي لا تزال حية رائعة مؤثرة وفتانة مملوءة بالعجائب لمن يقرأها، الأوديسة تتنفس، قلبها ينبض ولم تفقد شيئاً من عظمتها لأنها مبنية بالكلمات، كلمات غير مادية ومع ذلك فهي أقوى من الحجر والمعادن وأكثر صموداً. أحب ان اُداعب هذه القوة ولا أتمالك نفسي في ذلك، لذلك فأنا أغرق في الكلمات وأسمح لتيارها أن يأخذني معه، وأنا أمعن النظر في الفقاعات التي تطفو على السطح كنت أترك نفسي عرضة للأمواج وأعجب دائماً عندما أرى أن جزر ومد هذا التيار يمكن أن ينشر نفسه في الاصداف والمغارات ليحفظ نفسه هناك ويدخر طاقته لوقت آخر، وهذا يبين لنا أن العطاء والمنع، والمد والجزر هما وجهان للبحر في يوم واحد، وترينا ايضاً هناك لحظات يكون التنازع فيها مع الكلمات عملاً شاقاً جداً، فهي لا تجيبنا عندما نناديها، وحتى لا تقترب، وحينها يكون البحث والعثور عليها صعباً لكن هذه اللحظات تهيئنا وتهبنا الدقة اللازمة والكفاءة عند العطاء، أي القدرة على الكتابة، لهذا أنا أكتب لأن فترة العطاء موجودة وعندما تحين فهي تجلب معها لذة ظاهرة لا مثيل لها، لذة الاحساس لأن النص يكتب نفسه وهذا لا يحدث كل يوم، لكنها حين تحين فانها تبدد كل التعب والمعاناة التي نتحملها، فالكلمات تظهر كالنجوم في سماء الفكر وتجر وراءها كلمات أخرى وتتجلى أفكاراً ما كنا نفكر بها أبداً وتلمع الكلمات وتبرق. تختفي وتظهر كانها تنعكس من كلمات أخرى، فبين الكلمات ارتباط لا يمكن تصوره، فهي كالقوافي تأتي تباعاً تغنّي معاً تتدافع وتتجاذب وترسم صوراً فلكية جديدة، انها تحدث ولادة جديدة، انها تبرعم تورد وتخلق، انها كدودة القز تصنع الحرير وتعمل كالعنكبوت، عنكبوت «آنانس» المشهروة في القصص الأفريقية والتي ساعدت في بناء بلدنا، هكذا تتصرف الكلمات، انها تصنع خيوط الحرير ومن تلك الخيوط تحوك الكتاب.

ان انسياب الكلمات هذا يجرني إلى التفكير بوجه ساحر آخر من أوجه الكتابة، لقد أشرت إلى قوّة الكلمات وكم يمكن ان تكون قوية، لكن الكتابة ليست الطريق للوصول إلى القوة، فإذا تصور أحد انّه قوي لأنه يكتب فهو على خطأ تام، قد يترآى للكاتب عندما يتمكن من ملء الصفحة البيضاء بالكلمات والجمل والقصص من أي نوع كان انّه يمتلك قدرة غير محدودة، لكن هذا هو ظاهر القضية، في الواقع انّه عندما يبدأ أحدنا بخلق شيء لم يكن موجوداً من قبل قد يتخيل ان مجرد البدء بهذا العمل هو نوع من الاقتدار، لكن الخلق هذا شيء ملي بالأسرار وله قوانينه الخاصة، وهو ليس بالأمر السهل، فالنص ليس ملكا للكاتب وليس له حق التصرف فيه ولا تتحكم ارادته فيما يكتب، وليس له القدرة المطلقة عليه، يجب على الكاتب أن يكون متوضعاً مطيعاً ودقيقاً، يجب عليه ان يواظب بدقة، يواضب على أن لا يدع الاشارات التي يبعثها له ذهنه ان تضيع، فجل ما يمكننا ان نفعله هو أن نعمل بإجتهاد عليأن نبحث ونرفع أيدينا بالدعاء، وإذا ما استجيب دعاؤنا فنحصل على هذه الموهبة الكبيرة وهي ان يكتب النص نفسه بنفسه ويكون الله قد أتم نعمته علينا.

ومع ذلك فالوضع ليس بهذه السهولة دائماً، أقصد ان الكاتب هو الذي يمشي على حبل ممدود بين الحق والباطل، أي اننا عندما نريد ان نصل إلى شيء حقيقي فأننا نكذب ونصنع قصصنا ونفتري... عندما نريد ان نكتب عن شيء واقعي وحقيقي نحاول ان نكتمه ونخفيه تحت أغطية متعددة، نغيره ونبالغ فيه، نختصره، نغير مكان بعض المقاطع فيه، أي نتصرف كمن هو بين النوم واليقظه، فلو لم تبدل الصدق إلى كذب، فلن يكون الصدق صدقاً، أو هكذا سيعتبر على الأقل، هكذا هي الأساطير، وكما تعلمون جميعاً فالاسطورة هي كلمة معادلة للكذب أو هي معادل آخر للكلمة: الكذب، ان تغيير الحقائق هو عمل عظيم ولعبة ممتازة، قد لا يقبل البعض برأيي هذا ويعتبروه رأياً غير واقعي. لكن الواقع بالنسبة لي، أو فلا أقل ان واقعي هو هكذا، ذلك لأني أكتب. حافز آخر يدفعني إلى الكتابة وهو ليس أضعف الحوافز بل هو حافز بسيط جداً ينبع من الواقع والحياة المادية التي نعيشها: أنا أكتب لأني أتقاضى أجر ما أكتبه، كما يتقاضى الطبيب والمحامي والكتاب، من هذه الناحية لا يختلفون عن الآخرين.. إذن فبغض النظر عن حبي العميق لكتابة القصص وافتتاني بالكلمات وعشقي للاسلوب الجميل، فلو لم أكن أتقاضى أجراً مقابل كتابتي لم أكن استطيع أن أكتب بشكل متواصل، كنت سأكتب أحياناً بعض الصفحات وأحفظها في درج مكتبي، ولكن في المدى البعيد سأجد نفسي مجبرة على ترك الكتابة كحرفة، لأمضي وقتي في عمل آخر يدر علي مالاً أكثر يكفي لإدارة شؤوني الحياتية.

لكن لماذا للأطفال؟

ان الإجابة على هذا السؤال تأخذ وقتاً أقل، فأنا لا أدري هل أني أكتب للأطفال أم لا؟ صحيح ان أكثر أعمالي تنشر باعتبارها كتب للأطفال، الا انني أكثر الاوقات عندما أكتب لا أفكر بأني أكتب للأطفال، وإذا ما صار النتاج خاصاً بم يجب ان نبحث عن دور ذلك الطفل الذي كان أنا، أو لا يزال هو انا، لأني أحس دائماً بأني أكتب لنفسي، يجب أن أضيف بأن الكتابة هي ليست وضع الكلمات فى الصفحة، الكتابة قبل هذا تتبلور في ذهن الكاتب من تصوره وادراكه للعالم وتصوري وادراكي انا ليس خاصاً بالأطفال أو الأحداث أو البالغين.. لكن لنعد مرة ثانية إلى الورقة البيضاء، فعندما أجلس وراء المنضدة وأدخل الورقة في الآلة الكاتبة، لا أفكر عادة بأني سأكتب لمجموعة خاصة من الأعمار، ويندر أن يكون الأطفال معنيين عندي. لكن أفكر بشكل عام بمشاكلي وقضاياي وآمالي وأحلامي، وأفكر بأشياء تحيط بي وتؤثر في نفسي، أفكر بالأشياء التي تخيفني، بالأشياء التي حرمت منها والتي أشتاق لها، ولذلك أسعى أن أسخر منها وأتغلب عليها، أو أن أهدئها وأروضها، ولكن عندما أحاول أن أنقل هذه الانفعالات والأفكار والآراء إلى الورقة، يظهر حافز آخر وهو أني أريد أن أشرك الآخرين ومنهم الأطفال أكثر وأكثر في تلك الحالات، ولم لا؟

ان كتبي بشكل عام ليست خاصة بالأطفال، فعندي كتب خاصة بالكبار، الا ان كتبي هي للأطفال أيضاً، فعندما يقرأها الاطفال يضحكون ويفرحون ويسيرون خطوة بخطوة مع أبطال القصة يتمتعون بالكلمات لكن النص له مستوى آخر، فعندما أتكلم عن الكتابة فاني أقصد الأدب دائماً، أي فن الكلام والأهداف التربويه والأخلاقية وإسداء النصح وتوجيه رسالة إلى القارىء وقضايا من هذا القبيل، ثانياً ان الفن لا يمكن تخصيصه لفئة عمرية معينة، فمثلاً إذا كان الكتاب جيداً وتمتع به الأطفال، فالكبار يمكنهم أيضاً ان يتمتعوا بقراءته خصوصاً وان الكبار يمكنهم ان يكتشفوا المستويات أو المفاهيم الأخرى للكتاب ايضاً، وعندما لا يحدث ذلك لا يمكن اعتبار الكتاب عملاً أدبياً.

مرة أوضح صبي في التاسعه من عمره هذه الاشياء التي قلتها، وأنا أعتذر سلفاً بقيامي بنقل كلماته لانه قد يمكن التصور بأني أريد أن أمدح نفسي على لسان ذلك الصبي، ولكني أطمئنكم بأن هدفي من نقل أقواله هو توضيح ما أقصده ـ لكن من فم صبي ـ فعندما التقيته كان قد مضى على قراءته لقصتي «قصة مقلوبة» سنتين، ولأن أخاه الأصغر كان هو الآخر يقرأ الكتاب في تلك الأيام، فقد قرأه مرة ثانية، وفي لقائه معي قال لي ان هذا الكتاب هو من الكتب التي أحبها لأنه يريني عوالم أخرى أيضاً، وعندما رآني متحيرة أضاف قائلاً هل تعلمين بأني عندما قرأته قبل سنتين تصورت أنه كتاب مهم، وقد أعجبت بالغول والتنين الأسود وغير ذلك، لكن الآن وبعد ان قرأته ثانية اكتشفت بأن الغول هو الارض والجبال والتنين الأسود هو الليل وعينه التي تدور دائماً في حدقتها هي القمر، والبرق الذي ينتشر من فمه عند الزفير هو النجوم، وأشياء كثيرة أخرى كنت قد قرأتها وأعجبت بها لكن رأيت فيها عالماً واحد، اما الآن فقد فهمت ان هناك دنيا أخرى مخبوءة تحت ذلك العالم، لقد كانت أختي تقول بأنني عندما أكبر فأسفهم بان القصة كلها تدور حول العمل والراحة، لكني لم أفهم ما تعنيه أختي. اني أحب الكتب من هذا النوع، انّه كتاب سحري لأني كلما أكبر فهو يكبر معي.

أعتقد ان القضية هي هذه، فان أكتب للأطفال لأنهم وفي أي عمر كانوا يفهموني ويرتبطن معي بأشكال مختلفة صحيح اني كتبت للكبار ايضاً وبكل وجودي لكن هناك شيئاً أميل للكتابة للأطفال أكثر، ولك لأني عندما أكتب لهم أمتلك ساحة أوسع وحرية أكبر وأتمكن من صنع المشاهد وأن أغور في عالم الخيال أكثر وأكون متفائلة، لأنني عندما أفقد الأمل لربما سأكون قادرة على الكتابة ولكن ليس للأطفال، فعندما يستهزىء الكبار بـ«الأمل» ويعتبرونه سذاجة، فلا يزال لأطفال آمال وأمنيات ويعتقدون بصدق بالمستقبل. أنا أيضاً كذلك مثلهم وربما لذلك أنا أكتب للأطفال

 

 

3.   أكتبوا للأطفــال .. ولكن .. ؟   

بقلم: رجب سعد السيِّد

أصبح كل من يعرف الكتابة يتطلَّـع لأن يكتب للأطفــال ! أعرف كاتب قصة، نصف موهوب، طلب مني ( شــــــويَّة ) موضوعات علمية، ليعيد صياغتهـا، لتناسب الطفل، لأنه – حسب قوله – عرف لنفسه ( سكَّة ) في مجلة أطفال تصدر بالقاهــــرة. وأعرف كاتباً آخر، يكتب في كل شيئ، من السينما إلى أخبار الحوادث، وقد دخـــــل إلى الميدان مؤخَّـــراً، وهو يحدثني عن نشــــاطه، من حين لآخــــر، فيقول – بالنص – أنه ( رمي ) ( حــتَّةً ) في مجلـــة كذا، و ( حتتين ) في مجلة كيت، وينتظر ( التساهيل ) !. كما أن مجلة للأطفـال، تصدرها مؤسسة صحافية كبرى، في مصر، يكتب فيها المحررون العسكريون والدبلوماسيون ومحررات الشؤون النسوية، وكتَّاب المؤسسة من الصحافيين الذين ينشـــــرون كتاباتهم في إصدارات أخرى للمؤسسة، ويعملون على ( زيادة مدخولاتهم ) بالكتابة للأطفال ! أعرف كاتب قصة، نصف موهوب، طلب مني ( شــــــويَّة ) موضوعات علمية، ليعيد صياغتهـا، لتناسب الطفل، لأنه – حسب قوله – عرف لنفسه ( سكَّة ) في مجلة أطفال تصدر بالقاهــــرة. وأعرف كاتباً آخر، يكتب في كل شيئ، من السينما إلى أخبار الحوادث، وقد دخـــــل إلى الميدان مؤخَّـــراً، وهو يحدثني عن نشــــاطه، من حين لآخــــر، فيقول – بالنص – أنه ( رمي ) ( حــتَّةً ) في مجلـــة كذا، و ( حتتين ) في مجلة كيت، وينتظر ( التساهيل ) !. كما أن مجلة للأطفـال، تصدرها مؤسسة صحافية كبرى، في مصر، يكتب فيها المحررون العسكريون والدبلوماسيون ومحررات الشؤون النسوية، وكتَّاب المؤسسة من الصحافيين الذين ينشـــــرون كتاباتهم في إصدارات أخرى للمؤسسة، ويعملون على ( زيادة مدخولاتهم ) بالكتابة للأطفال !

 إذن، فقد أصبح الكتَّــاب يستسهلون الكتابة للأطفـال؛ ومن جهة أخرى، فإن هذا النوع من الكتابة أصبح مربحاً، أكثر من الكتابة الأدبية أو العلمية للقراء الكبار؛ وتدفع المجلات العربية الموجهة للأطفال بســـخاء لمن يكتبون لهـا، رغبة في اجتذاب أفضل الأقلام والمواد لقــرَّائها الصغار؛ وهو هدف نبيل بحد ذاته، غير أنه تحوَّل إلى دافع قوي، يحفز كل من يعرف بتسعيرة هذه المجلات إلى تعديل مسار قلمه، ليصبح كاتب أطفال !. وكانت النتيجة أن تزايد عدد كتَّاب الأطفال العرب؛ فبعد أن كانوا لا يزيدون عن عدد أصابع اليد الواحدة، منذ نصف قرن، أصبحوا الآن يعدون بالمئات، إذا اعتبرنا أن كاتب الأطفال هو كل من ينشر موضوعاً أو أكثر في سلاسل كتب ومجلات الأطفال. أما إذا خضع التعريف للتدقيق، فإن العدد يمكن أن يتضـاءل إلى بضع عشرات؛ ولكن – للأسف – لم يهتم أحد، حتى الآن، بهذا التدقيق الضروري.
 
ويبدو أن هذه الظاهرة لا تخص العرب وحدهم، فقد قرأت مقالاً لمحررة مجلة أطفال أمريكية، تقول فيه إن الكتابة للأطفال أصبحت ( تجارة ) مربحة، وأنها – المحررة – تدفع ألف دولار أمريكي في مقابل الموضوع الموجَّـه للطفل – قصة أو مقال – الذي لا يزيد طوله عن 350 كلمة؛ وتضيف قائلة، إن صديقاً لها يتقاضى من مجلة للناشئة 1100 دولار، كل شهر، مقابل موضوعين 
يكتبهما بالمجلة، وهي تعرف عنه أنه لا يحب الأطفال، بل ويرفض إنجابهم !. وقد تضاعف عدد كتَّــاب الأطفـال الأمريكييـن، أيضاً، فتشير إحصائيات معهد أدب الأطفـال، بالولايات المتحدة الأمريكية، إلى أن عـــدد كتَّــــــاب الأطفال المستقلين، أو المراسلين ( من منازلهم )، كان 354 كاتباً، بالعام 1985؛ وقفز إلى 600 كاتب، مع نهاية القرن العشرين.

فهل الكتابة للأطفـال مهمة ســهلة، حتى أنها تغري الكتَّــاب وتجتذبهـم ؟

ومن واقع تجربتنا، نقول إنها ليست عملية سهلة – على الأقل في بداية الدخول إليها – فأنت حين تجلس لتكتب لهذه الكائنات البشرية الطالعة، ينبغي عليك أن تقدِّم لها قدراً مناسباً من المعلومات، في حيِّز صغير؛ وهذه هي أول صعوبة تقابل كاتب الأطفال. ثم تأتي صعوبة، أو تحدى، اللغة الخاصة، التي يجب صياغتها بحيث يتقبلها الطفل القارئ ويتفهمها. وقبل كل ذلك، عليك أن تبحث عن أفكار جديدة، مثيرة للدهشـة، تجذب انتباه الطفل، وتستولي على حواسه، وإلاَّ فإنه سيجد طريقه الســهل إلى تكنولوجيا المعلومات والتسلية، المرئية والمسموعة؛ فلماذا يجهد عينيه في عملية قراءة ( بغيضة ) لأفكار وموضوعات لا تهمه، ولا يراها جذابة، في حين أن ضغطة واحدة على زرٍ تفتح له أبواباً سحرية، لعوالم مليئة بالحركة، ولا حدود للخيال فيها ؟!. إن المنافسة بين المادة المكتوبة للطفل، وما تقدمه له الوسائط الأخرى المتعددة، غير متكافئة، وتميل كفتها لصالح هذه الوسائط المتجددة، في معظم الأحيان؛ ويساعد كتَّاب الأطفال غير المجيدين، وغير الموهوبين، على تكريس خسارة المادة المكتوبة، في مواجهة مصادر المتعة المعرفية التكنولوجية، التي تحيط بالأطفال، من كل جانب، وفي كل مكان.

ويميل كثيرون، ممن يكتبون للأطفال، إلى إنتاج المواد غير القصصية؛ ولعلهم – في معظمهم – يجدون ذلك أسهل من التعرض لتأليف قصص، فتكشف التجربة سوءات مواهبهم المحدودة. وإذا كانت الكتابة للطفل، بعامة، ليست سهلة، فإن كتابة قصة للأطفال أصعب. ومن مراجعتنا لجانب كبير من الإصدارات الموجهة للطفل، في عالمنا العربي، لاحظنـا أن المواد القصصية تحظى بمساحة ( معقولة ) – في المتوسط العام – بين هذه الإصدارات؛ وإن كنا نعلم – من واقع خبرة منقولة لنـا من أصدقاء يعملون في تحرير مجلات الأطفال – أن ثمة نقصاً واضحـاً في المواد القصصية الصالحة للنشر، وعلى وجه الخصوص، في القصص المصــوَّرة، أو السيناريوهات المرسومة.

وإزاء هذا النقص الواضح، يلجـأ القائمون على إصدار بعض مجلات الأطفال العربية إلى ( حشـــو ) المجلة بمـواد غير قصصية، مثل التغطيات والتقارير العلمية والتكنولوجية المبسَّـــطة؛ والمقابلات الشخصية مع الأعـــلام من رجال الفن والرياضة والعلم؛ وأخبار أنشطة الأطفال في المدارس والمنتديات؛ بالإضافة إلى مواد دينية ورياضية، لا تختلف كثيراً – في المظهر والجوهر – عن تلك التي ينفر منها الأطفال، والتي تحتشــد بها بعض الكتب المدرسية.

وتحاول تلك المجلات، التي يضطرها القصور في الإمداد بالمواد القصصية إلى استخدام مثل ذلك الحشــو .. تحـاول تجميل وجه هذه المواد غير القصصية، قدر المســـتطاع، بأن توفر لهـا رسامين ممتازين، ينتجون رسومات معبِّـرة جذابة، تضفي بعض الحيوية على تلك المواد، التي تتصف بالسكون، مقارنة بالمواد القصصية المملوءة – بحكم طبيعتها الدرامية – حياةً وحركةً. وعندما يعـزُّ الرسام الجيد، يُضطــــرُّ المحرر إلى إرفاق صور ضوئية مناسبة بالموضوعات غير القصصية.

وعلى أي حال، فإن كاتب الأطفال الجيد يمكنه – متعاوناً مع القائمين على إخراج صفحات مجلة الطفل – أن يعطينا مادة غير قصصية مقبولة ومقروءة، إن مكَّنـتــه موهبته من الإحاطة الكافية بالموضوع الذي يكتبه، وصياغته في لغة شيقة، وإضفاء مسحة ( حكوية ) عليه، لإكســاب المادة غير القصصية جاذبية ( من فضلك : راجع الملحق رقم " 1 " ، وهو موضوع غير قصصي، عنوانه " طيري يا طيَّـــارة ! " ). ويهمنا أن نؤكد على أن كاتب الأطفال المتمكن يمكنه أن يعالج أي موضوع، وينتج منه ( كتابة فنية ) جميلة؛ فغير مطلوب منك – مثلاً – أن تكون من علماء الفضاء، لتحكي لنا عن حياة رواد الفضاء في رحلاتهم إلى الفضــاء الخارجي، أو أن تكون من علماء البيئة البحرية، لتكتب عن العلاقة العجيبة بين أســماك البهــلوان وحيوان المرجان؛ ولكن المطلوب والمرغوب هو أن تكون الكتابة – بلغة الحرفيين – " مخدومةً "، وأن يكون الكاتب مخلصـــاً في توجهه للكتابة للأطفــال؛ وقبل كل شيئ، أن يحترم قراءه الصغار، ولا يستهين بهـم.

إن معظم من ( يتحولون ) للكتابة للطفل يخفقون، ولا يتحقق لإنتاجهم في المجال الجديد نفس الدرجة من الجودة، التي قد تكون تحققت في كتاباتهم للكبــار؛ والســبب – في رأينـا – مردودٌ إلى أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يتخلصــوا من تصــوُّرٍ مســبقٍ عن الطفل والطفولة، تكــوَّن لديهم من قراءات نظرية في علم نفس الطفولة، أو من خلال ذكرياتهم الخاصة عن مرحلة التنشــئة، وسنوات طفولتهم – ولا نتوقع، في كل الأحوال والحالات، أن يكون هؤلاء الكتاب قد هنأوا يطفولة ســوية ! – فإذا جاءوا ليكتبوا لأطفـال اليوم، كانت كتاباتهم كالأطعمة المعلبة، طعمها مغاير، وفائدتها محدودة، ناهيك عن أنها قد تكون مصدر خطورة حقيقية. ومن حق الأطفال – وهم أبناؤنا وأحفادنا – أن يحصلوا على وجبات تثقيفية طازجة وصحية، تفتح شهيتهم للحياة، وتمدهم بعوامل بناء المخيِّلـة وأســاســـيات التفكير.

 إن على كاتب الأطفال، إن أراد أن ينجح، أن يترك طفولته وراءه؛ فالزمن تغير، كما أنه مستمر بالتغير .. إننا نعيش في عالم تتغير ملامحه كــل صبــاح؛ وعلى من يتصــدى لمهمة الكتابة لطفل اليوم أن يهيئ نفسه ليكون ( وسيطاً ) جيدا، ينجح في توصيل صـورة حقيقية – غير مهزوزة – لما يجري في هذا العالم لأطفالنــا، وإلاَّ عاشــوا طفولتهم غرباء في عالمهم؛ فإذا كبروا ازدادت غربتهم، وبالتالي تخلفهم، في عصــر لا يقبـل، ولا يرحـم، من يتخلفون عن مســـايرة وقعـه المتســـارع.

وبالإضافة إلى ذلك، فثمة اعتبارات ومواضعات اجتماعية يجب أن تؤخذ في الحسبان عند الكتابة لأطفال اليوم، الذين تختلف ظروف تنشئتهم أُســريَّاً عن الظروف التي تربى فيها ونشأ آباؤهم وأجدادهم؛ ففي مجتمعاتنا العربية، على سبيل المثال، يتراجع شكل الأسرة التقليدي، حيث كان الأب والأم والأبناء والأحفاد يعيشون، مجتمعين، في مسكن واحد كبير ( بيت العائلة )، أو في مساكن متقاربة، بحيث يتوافر الترابط والتواصل الأسريين، ويتاح للجد أو للجدة، أو للإثنين معاً، أن يشاركا في رعاية الأحفاد، وتشكيل وعيهم بالعالم، وإطلاق قدرات الخيــال عندهم، عن طريق عشرات، بل مئات، القصص والحكايات، من الموروث الشعبي المحلي، ومن التراث الأدبي العربي. والمطلوب من كِتـــــاب الطفل ومجلته أن يحــلا محــل الجـــــد والجـــــدة، بعد أن أبعدت الحياة العصرية أحفادهما عنهما؛ بل لقد باعدت تلك الحياة اللاهثــــة بين الطفل وأبويه، إما بهجرة أحد الأبوين – الأب غالباً – للعمل، أو بانشــغال الأبويـن عن أطفالهمـا بأعبــاء الوظيـفة، التي لا تتيح للأســرة أن يجتمع شــملهـا إلاَّ لدقـائـق معدودة، في يوم العمل. وثمة مجلات أطفال أوربية وأمريكية تكلِّــف كتَّــابهـا بإعداد موضـوعات خاصــة للأطفـال أحاديي الآبـاء ( بلا أب أو بلا أم ).

حســــناً، ليكتـب للأطفــــال كـل من يجـــد بنفســـه القدرة على هذه الكتابة ( لا أحــــد يملك أن يوقف أحداً عن الكتابة )؛ ولكن .. قبــــل أن تجلس لتكتب للأطفــال، يجب أن تكون هذه المسائل حاضرة في ذهنك، لتحقق هدفاً رئيسياً، هو أن ( تشـــدَّ ) الطـفل إلى كتابتك، من أول جملتين؛ لأنه لن ينتظر ليقرأ ســت جمـل من نـص فقد الإحســـاس به، ولم تنشــأ لديه علاقة معه. ومن جهة أخرى، يجب أن تجذب اهتمام القارئ الصغير بما أعددته له، بدءاً من الكلمات الأولى، لأن المادة المكتوبة للأطفـال – كما سبق أن أشرنا – ينبغي أن تكون محدودة، لا إطالة فيها؛ ولا يسمح الحيِّـــزُ المحدود بتمهيد مســهب.

إن التمهيد، أو الاســتهلال، مكـــوِّن رئيسي للنــص، في الكتابة لكل من الكبار والصغار، على الســواء؛ ويوليه الكتَّــاب اهتماماً خاصــا، فهو بوابتهم الذهبية إلى عقل وقلب القارئ؛ فتجدهم يحشــدون خبراتهـم ومهاراتهم لصياغتـه، في لغة فنية راقية؛ ولا بأس من اللجوء إلى ( حيل ) فنية محكمة، يسعد القارئ أن يشارك بهـا؛ فثمة رأي يقول بأن الكتابة الفنية تقوم على اتفاق غير معلن، بين الكاتب وقارئه، يتعهد فيه الأول بالتحايل على الثاني وإيهامه بصحة ما يعرضه ويسرده عليه من وقائع وأحداث؛ وعلى الثاني أن يقبل ذلك !. وقد يكون ذلك التمهيد إشــارة إلى شخصية بارزة أو مثيرة، أو إلى حدث قريب، لا يزال محتفظاً بطزاجته، ويحظى باهتمام الرأي العام؛ ومن الأمور المستحبة – أيضاً – اعتماد الأســـلوب ذي الطبيعة الفكهة المرحة، أو الســـاخرة؛ وقد يبدأ الاســتهلال في عنوان المادة المكتوبة للطفل، فيضعه – منذ الكلمة الأولى – في ( صلب ) الموضوع؛ ( من فضلك : راجع الملحق رقم " 2 " ، وهو موضوع غير قصصي، عنوانه " الأرنب يحصــــل على ترقيـــة ! " ).

ويظن نفرٌ من الكتَّـــاب أن عليهم ( النزول ) لمســـتوى الطفل؛ وهـــذا خطــأ فادح. إنهم – باعتناقهـــم هذا الاعتقاد – يغلقون على أنفسهم خط التواصل مع الأطفال، إذ تســـيطر عليهـم فكرة أنهم يكتبون لنوع بشــري ( أدنى )، عليهـم أن يتنازلوا فينزلوا إلى مســـتواه عند مخاطبته؛ ويعني ذلك النزول – عندهم – المبالغة في التحــــبب للأطفــال – كأنما هــــم ( يســـــتدرجونهــم ) إلـــى تنـــاول دواء مـــر ! – و التبســيط الأقـرب إلى التســـطيح، والــــذي لا يخلـو من تكـلُّف، بالإضافة إلى ارتفاع صــوت ( الواعظ ) و ( المعلم ) بين الســطور؛ وربما بدا بعضهـم كأنه يمســـك خيـزرانة !.

وينســـــى هـــؤلاء أن من يكتبون لهـم ليســوا مكعبات من ( العجين ) أو ( طين الصلصـــال )، بل ( كائنات حية ) شديدة الحساسية، لديها قدراتها الذهنية، كما أنها قادرة – وربما بدرجة أعلى مما هو متوفر لدي البعض من الكبار – على الإحســـاس بالصــدق فتســتجيب لـه، أو بالـــزيف فتنفـــر منـــــــه، دون أن تُبـــدي أســــــباباً؛ ولا تأتي معها ( التعليمات ) و ( التوجيهات ) المباشــرة – في معظم الحالات – بالنتائج المرجوة؛ فذلك أســلوب ممجوج، حتى عند الكبار، ويجده الصغـار الأســـوياء ممــلاً، ولا يستجيبون له، فلا يترك في نفوسهم أثرا، ولا يغرس في سلوكياتهم قيماً تربوية طيبة. وحريٌّ بنــا ألاَّ نفـرح إذا وجـدنا من أطفالنــا من يستجيب لهذا الأســـلوب؛ فهــؤلاء ســيكبرون وهو يفتقدون روح المبادرة والمبادأة، وسينتظرون – طول الوقت – من يدلهم على ما يفعلون ويقولون، ومن يسوقهم بإشاراته ليصفقوا، أو ليمتنعوا عن التصفيق !
قي أن نشير إلى جزئية مهمة أخرى، هي ضرورة أن تركز مجلات الأطفال العربية على اهتمامات بعينها، أي تعمل على أن تغلب عليها صبغة خاصة، تميز كل مجلة عن سائر المجلات؛ لأن انعدام هذا التركيز، أو ( التوجُّـه الخاص )، يجعل كل المجلات متشابهة، وفي هذا التشابه إفقـــــار للمائدة الثقافية التي ندعو إليها أطفالنا؛ أما التنــــوُّع، ففيه ثراء، وفوائده متعاظمة؛ فليتنــا نجد بعض مجلات الأطفال العربية ينهـــــج نهجاً تاريخيــــــاً، وآخر علمياً، وثالثاً بيئــياً، ورابعــــاً يهتم بالطبيعة، وخامســــــاً بالآثــــــار، وسادســـــاً بالألعاب والرياضة، وســــابعاً بالفنون ...إلخ. والجدير بالذكر أن هذا التنوع متوفر، إلى حد كبير، في ســـلاســـل الكتب التي تصدرها بعض مؤسسات النشر العربية العريقة.

وأخيراً، نأمل أن تلتفت مؤسساتنا الثقافية إلى أهمية الوسـائط المعرفيـة الأخـرى، وتســـنخدمها لتوصيل الخدمة التثقيفية للأطفـال العرب. إن جولة بين المواقع المخصصة للأطفـال الأوربيين والأمريكيين، في شــبكة المعلومات الكونيـة ( الإنترنت )، تبين لنا تزايد عدد هذه المواقع وتطورها، تصميماً ومحتوىً؛ وهي تتميز عن الوسيط التقليدي ( الورقي ) بأنها تتعامل مع الطفل المعاصر بلغة معاصرة يجيدها؛ ثم إنها توفر الجانب ( التفاعلي )، فلا يكون الطفل الذي يدخل الموقع مجرد متلقٍ، بل مشاركاً فاعلاً في الأداء.

وختاماً، فلقد أكثرنا من اســتخدام كلمات مثل ( ينبغي )، و ( يجب )، في هذا الحديث الذي نتوجه به – بالأساس – إلى كتَّــاب الأطفــال، أو من يرغبون في ممارسة الكتابة للصـغار؛ ونحن نعرف أنها كلمات ( توجيه ) ثقيلة الظل، ولم نكن نحب أن نستخدمها، أو – على الأقل – أن تتردد في حديثنا على هذا النحو؛ غير أن عذرنا في ذلك هو أننا كنا مدفوعين بالحماس والغيرة على فرع مهم جداً من فروع الكتابة؛ فلعل القارئ يلتمس لنا العذر؛ ولعله يجد فيما وضعنـــاه أمامه من خلاصة تجربتنا الشخصية ما يعينه على أن يجوِّد كتابته، من أجل أطفالنــا، الذين يســـتحقون أن نقــدم لهـــم كــل جميل ونافع.
 
طـيـــــــري يا طيــــــــارة!

أحكي لكم، في البداية، موجزاً لقصة قرأتها منذ زمن بعيد، عن رجل ذي شــأن، اعتاد أن يذهب إلي الشاطئ كل صباح، ويجلس تحت المظلة الملونة، ويطالع الصحف، ولا ينزل البحر إلا نادراً، ولدقائق قليلة، يعود بعدها إلي الاسترخاء تحت المظلة. وذات يوم، اقترب من مظلته طفل يلعب بطائرة ورقية، فنظر الرجل إليه بلا اهتمام في البداية، ثم أخذ يراقبه في محاولاته لإطلاق الطائرة مع هبّات الهواء.
وفجأة، وجد الرجل نفسه ينهض من كرسيه تحت المظلة، ويتقدم إلي الطفل، يساعده في إطلاق الطائرة. وينجحان في ذلك، ويبدأ الرجل في التخلي عن تمسكه بالمظهر الرسمي، ويتناوب مع الطفل الإمساك بالخيط لتوجيه الطائرة وحفظ اتزانها. وفي الأيام التالية، اعتاد رواد الشاطئ علي رؤية الطفل والرجل الكبير يلعبان معاً بنفس الطائرة، ثم أحضر الرجل لنفسه طائرة خاصة، وأخذ ينافس صديقه في تسجيل أقصي ارتفاع وأكبر مسافة تطيرها الطائرة!
ذلك هو سحر الطائرات الورقية.. يصعب مقاومته!

طفولة وذكريات
إنها لعبة للصغار، تجتذبهم عند الشاطئ، وفي الرحلات الخلوية، بل وداخل المدن، يُطيرونها من فوق أسطح البنايات (مع مراعاة اعتبارات الأمان الخاصة بالأماكن المرتفعة)، لكنها، أيضاً، متاحة للكبار، توقظ فيهم ذكريات الطفولة وروحها، كما حدث مع الرجل ذي الشأن !.
هروب في ذيل طائرة!
والطائرة الورقية، عند بعض شعوب العالم، أكبر من مجرد لعبة. إنها جزء من التاريخ والفولكلور، وتروي عنها حكايات غريبة وطريفة. ففي حكاية يابانية من القرن الثاني عشر، عوقب قائد ياباني بالنفي إلي جزيرة بعيدة، واشتاق أحد أبنائه إلي الوطن، فهرب عائداً إليه، متعلقاً بذيل طائرة ورقية ضخمة!
وفي حكاية أخرى، نجد لصاً ينجح في الوصول إلي قمة قلعة تاريخية، ويسرق القشور الذهبية التي تغطي أجسام تماثيل الدلافين الموزعة فوق أسوار القلعة الشاهقة. وقد اكتشف أمر ذلك اللص، وتم القبض عليه، إذ أنه كان يتفاخر، في كل مكان بفكرته العبقرية: استخدام طائرة ورقية في الوصول إلي ذهب الدلافين!

منافع أخري
وفي اليابان، أيضاً كان للطائرات الورقية استخداماتها العملية، فكانت تساعد في رفع مواد البناء، وبخاصة إذا كانت الرياح قوية. ولا يزال المزارعون، في بعض القري اليابانية، يطيرون طائرات ورقية (خاصة) مكتوب علي ورقها أدعية وابتهالات إلي الله أن يهبهم محصولاً وفيراً، وأن يلطف الجو لتنمو مزروعاتهم جيداً!
أسماك معلقة بالذيل!
 
ومن أطرف استخدامات الطائرات الورقية ما يحدث في مدينة (شيبا) اليابانية الواقعة علي ساحل المحيط الهادي، إذ يطلق الصيادون، وهم في قواربهم، طائرات ورقية، وهم يقتربون من الشاطئ في رحلة العودة، بعد أيام طويلة من الصيد في المدينة، وعليها ألوان وعلامات رمزية خاصة بأسر الصيادين، فيستقبلها الأهل بالفرحة، فهي البشير بوصول الآباء والأخوة والأبناء، سالمين غانمين، بعد مواجهة أخطار المحيط في رحلة الصيد الطويلة. وتزداد سعادة الأهل إذا وجدوا بعض الأسماك معلقة في ذيول الطائرات. 
فهذا معناه أيضاً: أن الصيد وفير!

يلة لقياس المسافة بين موقع جيشه وأسوار مدينة يحاصرها، فأطلق أول طائرة ورقية في التاريخ. وحفر جنوده نفقاً بطول المسافة التي قطعتها الطائرة الورقية، حتى ارتطمت بأسوار حصون المدينة. وقد اقتحم هازين ورجاله المدينة من خلال هذا النفق.. وكان الفضل في ذلك للطائرات الورقية. ويحتفل الصينيون بعيد الطائرات الورقية في يوم محدد من السنة، هو اليوم التاسع من الشهر التاسع، وفيه تزدحم سماوات المدن الصينية بآلاف الطائرات الورقية.

طائرات ورقية في كل مكان
وقد انتقل تأثير سحر الطائرات الورقية إلي كل أنحاء العالم. ويندر أن تجد موقعاً علي سطح الأرض لا يعرف سكانه الطائرات الورقية.
وفي إيطاليا، تقيم بلدية مدينة أوربينو احتفالية سنوية كبيرة، في يوم الأحد الأخير من شهر أغسطس، تمتلئ فيها سماء المدينة بالطائرات الورقية، التي يتنافس أصحابها، كباراً وصغاراً، في ابتكار أشكالها وألوانها وأساليب إطلاقها وتحليقها. ويتنافسون، أيضاً، في المدي الذي تنطلق إليه طائراتهم.. ويقال إن طائرة ورقية طارت من مدينة أوربينو، وواصلت تحليقها باستخدام خيط طويل جداً، حتي سقطت في مدينة أخري بعيدة!

متعة.. دهشة.. بهجة.!
هذه بعض الحكايات، أرويها لك لتتذكرها وأنت تقبض علي خيط طائرتك الورقية، وسيلتنا للمتعة في أيام الصيف، تسحبها يميناً أو يساراً، أو تشد الخيط لترتفع أعلي وأعلي، متراقصة في الهواء، تتابعها عيوننا وعلي وجوهنا تفترش الدهشة والبهجة، وقد توحي لنا الطائرة المحلقة في السماء الزرقاء الصافية بأحلام جميلة، وبآمال في أن تمضي بنا الحياة، نسعد بها مع أهلنا وأصدقائنا، في نعومة انطلاق طائرة من ورق رقيق ملّون تحملها النسمات.

الأرنب يحصل على ترقية !

ُجرى استقصاءٌ للرأي بين مجموعات من الأطفال، عن أحب الحيوانات إليهم، فاحتل الأرنب مكاناً متقدماً في قائمة الحيوانات المحببة لديهم. وربما كان ذلك بسبب أن الأرنب حيوان وديع، لا يؤذى، ويمكن للصغار الاقتراب منه ومداعبة فرائه الناعم الجميل، دون خوف. أضف إلى ذلك، أن الأرنب يسعد الصغار عندما يفاجأون به يخرج من قبعة الساحر فى السيرك!.. وإذا سألت من تذوقوا لحم الأرانب، يقولون لك أنه لذيذ؛ وهو مفيد، وغنى بالعديد من عناصر الغذاء الضرورية لصحة الجسم. ويعرف من لديهم خبرة بتربية الأرانب أنها تتكاثر بسرعة، وتلد (الأرنبة) الواحدة أعداداً كبيرة.. لذلك، فإن مشروعاً تجارياً لإدارة مزرعة للأرانب يدر ربحاً وفيراً على صاحبه، إن أحسن رعاية ضيوفه، من الأرانب.

والأرنب حيوان يلد، ويرضع صغاره.. فهو – إذن - من طائفة الحيوانات التي يسميها علماء الحيوان بالثدييات، أي التي لها غدد بالصدر تفرز اللبن؛ وتسمى -أيضاً- بالحيوانات اللبونة، أو اللبونيات، أي التي تنتج إناثها اللبن لترضع الصغار..

والثدييات -أو الحيوانات اللبونة- طائفة متسعة، تشتمل على أنواع عديدة من الحيوانات، بينها اختلافات شديدة، فهى تضم: الإنسان- القرد- الفيل- القط- الجرذان- الحيتان- الدلافين- عروس البحر- الغوريللا- والأرنب؛ وأنواعــاً حيوانية أخرى. ولكي يوفر العلماء مزيداً من التحديد للمجموعات الحيوانية التي يتشابه أفراد أو أنواع كل منها في كثير من الصفات، كان من الضروري إعادة تجميع الثدييات المتشابهة لتضمها مجموعات أصغر.. وعلى سبيل المثال، 
تم تجميع الإنسان والغوريللات والقردة الكبيرة في مجموعة واحدة تسمى (الرئيسات)، وهى تحتل قمة عالم الحيوان أو المملكة الحيوانية؛ وقد يدهشك أن النمور والقطط تنتمي، معاً، لمجموعة واحدة تسمى بمجموعة القطط؛ ثم تجيئ الأرانب والجرذان وبعض الحيوانات المشابهة في مجموعة (القوارض).

وبانتهائك من قراءة السطور السابقة، تكون قد حصلت على فكرة لا بأس بها عن أحد العلوم الأساسية، التي يدرسها طلاب كلية العلوم، هو (علم التصنيف)؛ ومهمته تصنيف جميع أنواع الكائنات الحية المعروفة، وإعطاؤها أسماء لاتينية مشتقة من صفاتها، وذلك لتسهيل دراسة علاقات هذه الكائنات ببعضها. وقد بدأ ذلك العلم - في صورة متقدمة نسبياً - منذ حوالي مائتي سنة؛ وكان أشهر المشتغلين به عالم اسمه (لينياس)..

و(لينياس) هذا هو الذي وضع الأرانب في مجموعة القوارض؛ وهى مجموعة أدنى من مجموعة القمة: (الرئيـســــات) .. لقد رآها لينياس تمتلك قواطع كبيرة الحجم، هي أسنانها الأمامية، وتتسلى - طول الوقت - بقرض كل ما يصلح للقرض، فأعطاها اسمها المشتق من الفعل (قرض).


وعاشت الأرانب، قرنين من الزمان، مستقرة، مطمئنة إلى مركزها الثابت فى تصنيف المملكة الحيوانية. وأعتقد أن الأرانب نفسها سوف تندهش إذا قرأت معنا هذا الكلام وعلمت أنه يجب عليها الآن أن تراجع الدوائر الرسمية لتغيير (صفتها) المثبتة فى هويتها !!

 لقد اكتشف أحد علماء الوراثة – حديثاً - أن لينياس (أبو علم التصنيف) كان على خطأ عندما ضم الأرانب إلى القوارض؛ وأن من حق الأرانب أن تحصل على ترقية كبيرة!

 يقول ذلك العالم، إن (لينياس) ومعاصريه من علماء التصنيف كانوا يعتمدون على الصفات الخارجية للجسم، وعلى بعض السلوكيات الظاهرة في تصنيفهم للكائنات الحية؛ أما الآن، فإن لدينا من أجهزة التحليل الكيمائي، ومن وسائل البحث في مجال الهندسة الوراثية، ما يجعلنا نعود إلى تصنيف الكائنات الحية على أسس أكثر دقة.

الخطير في الأمر، أن الترقية التي يطالب بها ذلك العالم للأرنب، تعد قفزة كبيرة – وهو، على أية حال، مشهور بقفزاته السريعة الطويلة - فهي تنقله إلى قمة المملكة الحيوانية، وتنسبه إلى طائفة الرئيســــات، التي تتربع على تلك القمة، والتي يحتل الإنسان ذروتها .. وهكذا، أصبحت الأرانب – علميـــاً - من أقربائنا!!

لقد أجرى ذلك الباحث بعض التجارب والاختبارات، فوجد أن التركيب الكيميائي لبعض أنواع البروتين في الأرنب، يشبه تركيب نفس البروتينات في كائنات من طائفة الرئيســــات، أكثر مما يشبه تركيب نفس البروتينات في القوارض الأخرى. وهو يقول إن هذا الأساس الكيميائي للتصنيف أقوى من اسلوب التصنيف القديم؛ فالتركيب الكيميائي للبروتينات مسجل في الصفات الوراثية للكائن الحي، مما يعنى ثباته على مر الأزمنة، ويؤكد حق الأرنب في الحصول على هذه الترقية الكبيرة!

4.   ثقافة الكتاب والطفل العربي
الواقع والتحديات والحلول التطويرية

د• محمد مرعي مرعي

مستخلص
يتناول البحث ثقافة كتاب الطفل العربي التي تتميز في مداها ومحتواها عن أدب الطفل المقتصر على الشعر والنثر، ويبين أهمية تلك الثقافة وخصائصها، كما يعرض واقع كتاب الطفل العربي والبواعث التي تدفع إلى الكتاب الطفلي والتوجهات التي تعزز ذلك، وواجبات الآباء والمعلمين في هذا السياق•
لكنّ كتاب الطفل تحكمه معايير حين كتابته وحين تقديمه للطفل، لأن أنواعه المتعددة توجب تحديد محتوى مواده وموضوعاته بما يناسب فئات أعمار الأطفال في مرحلة الطفولة• كذلك واقع كل مجتمع وخصوصيته وبيئته المحيطة•
يواجه كتاب الطفل حالياً تحديات كبيرة تفرضها وسائل الاتصال المتعددة التي تجذب الأطفال إليها، وتشدهم إلى متابعتها من خلال عرضها البرامج والموضوعات المشوقة بطريقة سمعية وبصرية ومصحوبة بمؤثرات صوتية وإيقاعية وأنماط خطوط وأشكال وألوان جذابة•
هل يضع كتاب الطفل العربي في حسبانه تلك التحديات؟ هل أعدَّ الكتّاب والمؤلفون أنفسهم لذلك؟•
1 ـ كتاب الطفل: من أدب الأطفال إلى ثقافة الأطفال
يختلف المختصون في توضيح مفهوم الأدب، إذ بينما يحدده بعضهم في ميادين الشعر والنثر يراه آخرون أوسع مدى، ويشمل كل ميادين الحياة في الطبيعة والمجتمع والسياسة وغيرها•
إلا أن أدب الأطفال لا يختلف عن أدب الكبار في جوهره وأدواته، ولكنه يختلف عنه من حيث الموضوع الذي يتناوله، والفكرة التي يعالجها ومستوى الأسلوب•
أي أنه يتميز عن أدب الراشدين في كونه يراعي حاجات الطفل وقدراته، ويخضعه لفلسفة الكبار في تثقيف أطفالهم<(1)•
لهذا حظي أدب الأطفال في العالم بأهمية كبيرة من أكثر من قرنين من الزمان، لكنه في الوطن العربي لم يتبلور بعد، ولم تظهر له شخصية كبرى يتميز بها وذلك يعود إلى ما يلي:
ـ سيطرة النظريات التربوية التقليدية والتي ما زالت ترى في الطفل رجلاً صغيراً•
ـ النظر إلى المجتمع العربي على أنه مجتمع رجال قبل كل شيء•
ـ الاهتمام الضعيف بالثقافة والإعلام في العالم العربي المعاصر(2)•
يدفعنا ذلك إلى منح أهمية كبيرة لأدب الأطفال، وضرورة تمييزه عن أدب الكبار كي يراعي الطفولة في خصائصها لكون الطفل كائناً صغيراً له دوافعه وميوله وخيالاته وقدراته•
كما يتطلب الأمر تعميق هذا المجال الأدبي وتعزيزه وزيادة نتاجه، لاسيما إذا عرفنا أن أدب الأطفال العربي ما زال معتمداً على مصادر أجنبية، كالترجمة والاقتباس والتلخيص، ويبقى هذا النتاج الأدبي الطفلي المعتمد على التأليف والإعداد والتبسيط ضئيلاً ومحدوداً•
ويتجلى ذلك بوضوح في واقع أدب الطفل في سورية، على وجه التحديد، ويعمم هذا الإسقاط على الدول العربية كلها حين نعرف أن المنشورات من الكتب الخاصة بالطفل لم تتجاوز مئتي كتابٍ أصدرته الجهات الرسمية المختصة بالطفل مثل (وزارة الثقافة، واتحاد الكتاب العرب، ومنظمة طلائع البعث) خلال النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم، أي بما لا يزيد على خمسة كتب سنوياً، إضافة إلى مجلة >أسامة< نصف الشهرية و >الطليعي< الشهرية التي تطبع كل منها حوالي خمسين ألف نسخة في حين يزيد عدد الأطفال الذين أعمارهم بين (7 ـ 41) سنة ممن تستهدفهم المجلتين لقراءتها على سبعة ملايين طفل(3)•
إلا أن الدول المتقدمة، بل الدول السائرة على طريق النمو، والتي بدأت تدرك أن أطفالها هم من ثرواتها المستقبلية، شرعت في بناء نظم متطورة جداً، تربوية، وثقافية لتهيئة الأطفال للغد، وتحضيرهم لقيادة المستقبل، وتجاوزت في إعداد سياساتها التربوية والثقافية مفهوم أدب الأطفال كونه قاصراً على جوانب معينة، وانتقلت إلى ترسيخ مفهوم ثقافة الأطفال الأوسع مدى وأبعد رؤية وشمولية في مجالاته واهتماماته•
هذا ما يؤكده عالم الثقافات (تايلور) الذي حدد الثقافة بأنها:
>مركب يشمل المعرفة والقصائد والفنون والأخلاق والتقاليد والقانون والعادات والآداب التي يكتسبها الإنسان لكونه عضواً في المجتمع(4)•
وربط عالم الأنتروبولوجيا >مالينوفسكي< الثقافة بالأطفال، لكونها تستجيب لنمو الطفل، وتلبي احتياجاته في الاطلاع والتعبير والإبداع، وتتوافق مع خصائص الطفولة وطبيعتها، وتكون قادرة على تربية الطفل على نحو يستطيع بوساطتها العيش كعضو نافع في المجتمع، وقادر على التكيف مع الحياة الاجتماعية ومتطلباتها من التغيير والتطور (5)•
تؤثر الثقافة في تشكيل طريقة تفكير الطفل، وكيفية تعلمه، لذلك، لابد من توفر شروط في وسائل الاتصال الثقافي لتخدم الطفل جيداً وتتجاوز مفهوم الأدب إلى مفهوم الثقافة في عمومه وفق ما يلي:
ـ أن تقدم وسائل الاتصال للأطفال الخبرات التعويضية عن حاجاتهم من الواقع•
ـ ألا تملأ أذهان الأطفال بالمعلومات فقط•
ـ أن تُخرج الأطفال من سلبيتهم•
ـ أن تطرح الأسئلة لتحفز الأطفال على التفكير•
ـ أن تنمي قدرات الأطفال على النقد وإصدار الحكم السليم•
ـ أن تواجه الأطفال بمشكلات عقلية تناسب مستوى نموهم العقلي•
ـ أن تدرب الأطفال على الطرائق السليمة والمنهجية في التفكير•
ـ أن تشيع قيم المرونة في تفكير الأطفال من خلال تعميق وعيهم بأن الأفكار عرضة للتغيير وليست جامدة(6)•
يتطلب واقع الأطفال العرب، والحاجات المعرفية المتعددة التي تساعدهم في دخول العصر الحالي يتطلب الإسهام في الانتقال من عالم أدب الأطفال إلى ثقافة الأطفال لتزويدهم ـ كونهم ثروات الوطن القادمة ـ بكل مضامين المعرفة والفنون والآداب والقيم والأخلاق والعلوم والتقانات الحديثة، وعدم الاقتصار على بعض الجوانب الحياتية الممثلة بالشِعر والقصص والروايات والحكايات المختلفة•
2 ـ أهمية ثقافة الكتاب لدى الطفل العربي وخصائصها
تتسم مرحلة الطفولة بخصوصيات مختلفة من حياة الإنسان، فهي طويلة في مدتها الزمنية، ومتغيرة في عناصرها، ومتطورة في مراحلها لأنها أكثر وعياً ونضجاً وإدراكاً للذات، ومتنوعة في اتجاهاتها وسلوكياتها ومفرزاتها•
ويخص علماء نفس الطفل تلك المرحلة بأهمية فائقة جداً، لأنها ركيزة بناء شخصية الإنسان، ومحددة اتجاهاته الشخصية، وقدراته وذكائه وتوازنه وبواعث دوافعه وحاجاته•
ويعرف المختصون في التربية جيداً حاجات الطفل في مراحل نموه، خاصة حاجاته إلى المعرفة والثقافة والمعلومات بالمعنى الموسع، ويَعدون الكتب المتنوعة، وبمستويات ومحتويات متدرجة لتناسب كل فئة عمرية في مرحلة الطفولة، وقد يختلفون في ترتيب الأولويات، إذ يُقدِم كل منهم وجهة نظر تلامس رؤيته، وواقع مجتمعه، وتاريخ أمته، وإمكانياتها، وتوجهاتها وطموحاتها المستقبلية•
ويربطون كل فئة عمرية باحتياجات متباينة، ويسقطون تلك الاحتياجات المعرفية والثقافية والتربوية والتعليمية على الطفل بأنواع الكتب المختلفة•
تغطي تلك الرؤية المتباينة لدى التربويين وعلماء النفس والكتّاب فهمَ الطفلِ وتركيبته النفسية واحتياجاته، وواقع بيئته وتحدياتها بتفاصيل علمية ودقيقة•
ولكن، ما يؤخذ على معدي كتب الأطفال العرب هو مدى ملاءمة ما يُقدم للطفل العربي مع احتياجاته الحقيقية، ومحتويات تلك الكتب، وتنوعها، وشموليتها لكل ميادين المعرفة، وتهيئة الأطفال للمستقبل، تبعاً لأعمارهم وواقعهم الاجتماعي والثقافي، مع الأخذ في الحسبان آفاق المستقبل وتطلعات الأمة•
يجب أن تتصف ثقافة كتب الأطفال بمجموعة من الخصائص التي نوجزها بما يلي:
ـ ثقافة مركزة، أي تحوي معارف ومعلومات مكثفة تناسب كل فئة عمرية في مرحلة الطفولة•
ـ ثقافة تراكمية، أي تتكامل حلقاتها المعرفية لتقدم للأطفال بشكل متدرج، يبدأ من الأسهل إلى الأصعب•
ـ ثقافة انتقائية، أي تحدد وفق أولويات تناسب البناء المعرفي والعلمي والتاريخي والاجتماعي والديني والقيمي السائد في كل بلد•
ـ رخيصة، قياساً إلى مصادر الثقافة الأخرى (الحاسوب والإنترنيت،•••)•
ـ تفاعلية بين المعلم والمتعلم وليست تلقينية يقف الطفل أمامها متلقياً ومستمعاً•
ـ جدية، لأن الطفل يتعاطى معها من خلال تشغيل مداركه وأحاسيسه، ومقدراته، بهدف الاستيعاب والفهم والتحليل والاستنتاج والتركيز•
ـ منهجية، لأنها تتضمن في إطارها آلية تستند إلى طرح المفاهيم، وتحديدها بدقة، وتسميتها، وعرضها بما يناسبها من الصور والأشكال التوضيحية•
ـ تشبع الحاجات لدى الطفل وتحقق لديه الرضا على الصعيد الحسي حين ملامستها الحواس المختلفة بألوانها وأشكالها وأبعادها وتناسقها بشكل سليم• وكذا على الصعيد الذهني والعقلي، لأنها تسمي الأشياء بمسمياتها، وتحللها بغية إدراكها وفهمها (7)•
3 ـ واقع كتاب الطفل في الدول العربية
تسعى كل الدول المتقدمة إلى تحقيق السبق فيما بينها، على مستوى النظام التربوي والتعليمي، ولاسيما بعد أن أصبحت المعلومات كنوز مكنونة يصعب الحصول عليها دون جهد أو ثمن، وعَدها البشر ثروات وموارد لا تنضب ومصدر قيمة فائضة هائلة إذا أحسن إعدادها وترتيبها وتأهيلها واستثمارها•
وتضع تلك الدول الخطط والبرامج الرصينة لتحقيق أهدافها، وتخصص ميزانيات ضخمة لوزارات التربية والثقافة والمعلومات بهدف تسهيل الوصول إلى ما تصبو إليه، كما تحدث مراكز البحث العلمي ومؤسسات الاتصال ونقل المعلومات والمكتبات، ومراكز التثقيف، لدعم جهودها الهادفة إلى تحصيل المعرفة وجمعها وفرزها وتقديمها بالشكل المناسب لاحتياجات أطفالها•
وتؤهل الأطر التربوية والتعليمية والإدارية والإعلامية والأدبية الكفوءة لتقود ذلك المسار بهدف إعداد أطفالها وتحضيرهم لقيادة بلدانهم باقتدار، ومواجهة مستقبلها، وهم مسلحون بالمعرفة والعلم والتقانات المناسبة•
ولكن، ما هو واقع البلدان العربية فيما يخص أطفالها وكتبهم نظراً لما سبق؟•
هل يتوفر تربويون وكتّاب وإعلاميون متخصصون في علم نفس الطفل واحتياجاته المعرفية والتربوية والثقافية وذلك بما يناسب ثقافة الأمة العربية وواقعها الحالي والتحديات التي تواجهها؟•
هل ترصد الأموال والميزانيات الكافية لإعداد الأطفال العرب لتمكينهم من مجاراة أقرانهم في البلدان الأخرى؟•
وهل تتوفر مراكز بحث تربوية، وعلمية، ومراكز إعلام وتثقيف، ومكتبات ومؤسسات ثقافية قادرة على تقديم ما يحتاجه الأطفال العرب بشكل فعلي، وهل تتوضع تلك المراكز والمؤسسات في مواقع فعالة تساوي التطلعات الموجهة إليها؟•
هل يوجد قادة إداريون يوجهون بكفاءة تلك الاستحقاقات، ويكون لديهم مشروع ورؤية واضحة عن غايات مؤسساتهم وإداراتهم واستراتيجياتها؟•
هل تتوفر التقانات والوسائل اللازمة لتوضيح محتويات الكتب ومصادر المعرفة والثقافة وتعزيزها للأطفال في بلداننا؟•
هل توجد كتب متنوعة، وشاملة، وكافية للأطفال العرب في مصادر ثقافتهم ومعارفهم؟•
هل تعتمد منهجية علمية تربوية في عرض الكتب والمعرفة ومحتوى المعلومات بكل أشكالها؟•
يكشف واقع كتاب الطفل العربي عن حالة من الضعف والندرة تتجلى بما يلي:
ـ ندرة الاختصاصيين في كتب الأطفال من المربين وعلماء النفس والأدباء، إذ من يكتب للأطفال عادة هم الكبار بدوافع الحاجة المادية والندرة•
ـ قلة الميزانيات المخصصة لكتب الأطفال من وزارات الثقافة والإعلام والتربية (من غير الكتب المدرسية)•
وفي حال وجودها يتم شراء الكتب غير المتعلقة بالاحتياجات الحقيقية لأطفالنا العرب، أو غير المناسبة لواقعنا وبيئتنا وخصوصيتنا•
ـ ضعف فاعلية مراكز البحث العلمي والتربوي ونتاجها النوعي، وكذلك المراكز الثقافية والمكتبات المختصة بكتب الأطفال، وابتعادها عن دراسة الاحتياجات الفعلية، والسعي لتلبيتها، بل اقتصار أدوارها على استعراضات ثقافية بعيدة عن متطلبات الطفل العربي، وتلبي نوازع الدعاية الإعلامية فقط•
ـ غياب الدراسات والأبحاث العلمية التخصصية التي تمس واقع الطفل العربي، وحين وجودها تكون شبه علمية، لأن عناصرها ومعلوماتها الأساسية التي استخلصت منها المؤشرات كانت سطحية وغير واقعية وبعيدة عن الحقيقة كما هو حال معظم الدراسات الأكاديمية النظرية البحتة التي تكون بعيدة عن الميدان•
ـ تدني مستويات الاختصاص والأداء لدى القادة الإداريين والمديرين الذين يتولون مهام إدارة المؤسسات التربوية والثقافية الموجهة للأطفال، نظراً لغياب الاختصاص الحقيقي لديهم إذ يتم تعيينهم بقرارات من السلطات استناداً إلى معايير العلاقات الشخصية والمحسوبية وتحقيق المزايا والمكاسب•
ـ حالة انعدام وجود التقانات الحديثة، مثل الأدوات السمعية والبصرية وشبكات الإنترنيت والحاسوب والاتصال والعرض ونقل المعلومات ذات التقنية العالية، وفي حال وجودها فهي لا تستخدم، وتبقى محفوظة في صناديقها يأكلها الغبار والصدأ، أو يدوم استخدام الأدوات القديمة•
ـ محدودية الكتب الصادرة المخصصة للطفل العربي كماً ونوعاً، وعدم توافقها مع احتياجاته تبعاً لفئات الأعمار، وغياب الكتب العلمية والتقنية التجريبية والاكتشافات، والوفرة في الكتب التاريخية والأدبية والسير الشخصية وغيرها•
ـ استبعاد المنهجية العلمية والتربوية من محتوى الكتب الموجهة إلى الطفل، سواء لعدم امتلاك المنهجية من قبل الكاتب أو لأسباب عقائدية أو غير ذلك•
4 ـ بواعث الحاجات إلى الكتاب لدى الطفل العربي
يحتاج كل طفل أينما وجد إلى الثقافة والمعرفة لكونها أرقى الحاجات البشرية، وتزداد أهمية تلبية تلك الحاجات عندما يسود واقع تغيب فيه الكتب وأدوات المعرفة والتثقيف الفعالة، والموجهة لبناء جيل مستقبلي واعد•
تتمثل حاجة الأطفال العرب إلى المعرفة والثقافة بأهمية متعاظمة نظراً للفقر الواضح لديهم، ولحالة شبه انعدام وجود المكتبات في منازلهم ومدارسهم والمراكز الثقافية التي يرتادونها•
كما يصعب استخدام المؤشرات الإحصائية لرصد ظاهرة الثقافة والكتاب الخاص بالطفل، لأن الأبحاث والدراسات العلمية الحقيقية شبه غائبة، وبالتالي يتم وضع الخطط استناداً إلى التقدير الشخصي والوصف وخطابات الشعارات والتوجيهات الصادرة من السلطات العليا•
يجعل هذا الواقع التقييم مستحيلاً لأن التوجيهات والخطابات غير المكمّمة (المدعمة بمؤشرات كمية) لا يمكن قياسها وتحديدها بأرقام ومؤشرات، وبالتالي لا يمكن قياس نسب تنفيذها، بل تكون تقارير وصفية إنشائية تمجد وتعظم بالإنجاز دون توضيح المعادلة بين الأهداف والنتائج الحقيقية وتحديدها بمؤشرات•
في حال غياب تلك المعادلة يغدو أي إنجاز إن شئنا عظيماً وإن شئنا معدوماً، ويبقى التقدير مرتبطاً بالرضا المعبر عنه من السلطة للقائمين على كتاب الطفل وثقافته•
تتمثل التحديات أمام مستقبل أطفالنا بامتلاك ناصية العلم والتقانة بشكل أساسي، وتجاوز واقع الحشو بالمعلومات التاريخية والقصص والسير والبطولات الخيالية، لذلك تتطلب ثقافة الطفل أحدث المعارف العلمية والتقانية، وتبسيطها بما يتوافق مع مقدار الحمولات العلمية التي يتمكن كل الأطفال في كل فئة عمرية من تقبلها واستيعابها وتمثلها•
أجريت دراسة في لبنان عام 8991، وغطت (051) عائلة لبنانية لديها (053) طفلاً في المراحل الابتدائية والثانوية، وعبرت بشكل متميز عن واقع الطفل العربي، وعلاقته بالكتاب، نوجز نتائجها بما يلي (8) :
نتائج تخص واقع الأسرة:
ـ 61% من الأسر تمارس القراءة بشكل متقطع•
ـ 69% من الأسر تتمنى أن يكون الكتاب صديقاً لأولادها•
ـ 42% من الأسر تحض أولادها على القراءة بلغة أو لغتين•
ـ 81% من الأسر تشتري لأولادها كتباً في أعياد ميلادهم أو في المناسبات•
ـ 32% من الأسر تهتم باقتناء الكتب، ولديها مكتبة في المنزل•
نتائج تخص واقع الأطفال:
ـ 7% من الأطفال يواظبون على المطالعة•
ـ 06% من الأطفال يعتقدون أن الحاسوب يغنيهم عن كل شيء•
ـ 74% من الأطفال يحصرون اهتمامهم بالكتب المدرسية•
15% من الأطفال يعدون القراءة عادة بالية وقديمة•
يفضل الأطفال المواظبون على القراءة:
ـ قراءة القصص القصيرة الملونة•
ـ الاهتمام بالاكتشافات العلمية•
ـ الابتعاد عن الشعر والأدب•
نستخلص من نتائج الدراسة ما يلي:
1 ـ اهتمام الأسرة العربية بالمعرفة والثقافة، والرغبة في دفع أطفالها إلى امتلاكها•
2 ـ تحول الأطفال عن الكتاب، وعدُّ المطالعة والقراءة عادة بالية وقديمة•
3 ـ تصور الأطفال أن الكتب المدرسية تغنيهم عن حاجاتهم المعرفية والثقافية•
4 ـ توجه الأطفال نحو الحاسوب، وعدّه أداة معرفية تغني عن استخدام الكتاب•
5 ـ رغبة الأطفال بقراءة القصص القصيرة المصورة•
والاطلاع على الاكتشافات العلمية والتقنية•
والعزوف عن قراءة الأدب والتاريخ•
يتضح لنا أن حاجات الأطفال إلى الكتاب تدفعها بواعث عدة، تلك البواعث يجب أخذها بعين الاهتمام حين إعداد كتاب الطفل وتقديمه له، وحثه على قراءته، وتحديد نوعه ومحتواه•
5 ـ توجهات نحو تعزيز اهتمام الأطفال بالكتاب وواجبات الآباء والمعلمين إزاء ذلك
يتجه الأطفال نحو الاهتمام بالكتاب حين توفر وسائل ترغيبية تستخدمها البيئة المحيطة بهؤلاء الأطفال في حلقاتها المتدرجة التي تعايش نمو الطفل مثل: الأسرة والرفاق والروضة والمدرسة والنادي وغير ذلك كما يتضح مما يلي:
ـ إيجاد البيئة المشجعة على اقتناء الكتاب من قبل الأسرة، وممارسة السلوك الإيجابي نحو مسك الكتاب وتقليب صفحاته وقراءة فقراته باهتمام وتركيز•
ـ تحدث الأسرة باستمرار عن الكتب، وعن كتب الأطفال والمجلات والمطبوعات المخصصة للطفل والإصدارات الجديدة منها، وإسهام المعلمين بتعزيز ذلك•
ـ تردد الآباء على المكتبات برفقة الأبناء وتشجيعهم على شراء الكتب والمجلات والوسائل المخصصة للأطفال•
ـ تقديم هدايا للأطفال (كتب، وسائل تعليمية، مجلات أطفال) في المناسبات التي تخص الطفل، وكذلك بعد صدور نتائج الامتحانات والاختبارات وفي الأعياد، والعطل الرسمية، والمناسبات المختلفة•
ـ تعزيز العلاقة بين الطفل والكتاب بأشكالها المختلفة، وفي كل مراحل الطفولة وبيئاتها كالأسرة والمدرسة والنادي والمراكز الثقافية، وتخصيص أوقات محددة للمطالعة، وتشجيع المتميزين في ذلك المجال•
ـ تواتر مناقشة الأسرة لأطفالها في الكتب والمجلات التي يقرؤونها، وتسجيل تلك القراءات في بطاقات خاصة يَسْهُل الرجوع إليها واستذكارها وتطويرها•
ـ دفع الآباء لأطفالهم نحو المنافسة في القراءة، واستخلاص المعارف والمعلومات من الكتب والمجلات المختصة، ومكافأتهم على النجاح والتفوق•
ـ مشاركة الآباء أطفالهم في قراءاتهم المتعلقة بالكتب والمجلات المبسطة، أو حتى الكتب الموجهة إلى الراشدين بهدف ربطهم بالكتاب، وتحقيق المتعة والفائدة المعرفية المتحصلة من القراءة•
ثمة مجموعة من المحددات التي تسترعي انتباه الآباء في الأسرة، والمعلمين في الروضة والمدرسة وتحظى باهتمام عند توجيه أطفالهم نحو الكتاب وقراءته نوضحها كما يلي:
1ـ وجوب تعويد الطفل الاستقلال بالقراءة والمطالعة، ومتابعة التحري والاستكشاف والبحث عن المعلومات الموجودة في الكتب•
2ـ ضرورة توجيه الطفل نحو الدقة في القراءة والتعمق في محتوى المادة المقروءة واكتسابها•
3 ـ توجيه الطفل نحو القراءة الخاطفة بهدف تكوين تصورات عامة عن طيف واسع من الكتب والموضوعات ومجالات المعرفة•
4 ـ تعويد الطفل السرعة في القراءة بغية اكتساب المعرفة وتمثل المعلومات بوقت قصير•
5 ـ تعويد الطفل القراءة الصامتة لترسيخ احترام الآخرين حين ممارستهم القراءة والمطالعة•
6 ـ الانتباه لحركات حواس الأطفال في أثناء القراءة، خاصة لحركات عيونهم وشفاههم، وتركيز انتباههم نحو الكتاب ومحتواه (9)•
6 ـ معايير انتقاء كتب الأطفال
عند توجيه الأطفال نحو الكتب والمجلات، أو حين تعزز ثقافة الكتاب لدى الطفل لا بد من وضع معايير علمية موضوعية لاختيار تلك الكتب وتقديمها إلى الأطفال، وتتلخص تلك المعايير بما يلي:
1 ـ الكتاب يناسب فئة عمر الطفل، صنف المختصون مرحلة الطفولة بخمس مراحل أساسية هي:
ـ مرحلة الطفولة المبكرة (1 ـ 3) سنوات، التي تدعى كذلك مرحلة الواقعية والخيال المحدود، ويضفي الطفل الحياة فيها على الحيوانات والأشياء، ويعبر عنها بأصوات وحركات وكلمات، ويتمركز فيها حول ذاته، ويغلب فيها الخيال التوهمي• تناسب تلك المرحلة لوحات الصور التركيبية (البزل) والمجموعات المصورة المتعلقة بجوانب البيئة المحيطة بالطفل، وكتيبات صغيرة مصورة، ودفاتر تلوين أشكال كبيرة، إلخ•
ـ مرحلة الطفولة ما قبل المدرسية (3 ـ 6) سنوات، التي تدعى كذلك مرحلة الروضة ويلامس فيها الطفل مفاتيح المعرفة والمعلومات المختلفة المتعلقة بالقراءة والرياضيات والعلوم، وتتعمق في تلك المرحلة الواقعية المحدودة بالبيئة والخيال المنطلق، ويبدأ فيها الطفل الاهتمام المعمق بلوحات البزل المُرفقة بالقصص، ومجموعات اللعب التركيبية ليشكل منها الأشياء والحيوانات والنباتات، والقصص المرسومة والموضحة بجمل تعبيرية، وكتيبات الرسم والتلوين، والكتيبات التعليمية لتعلم حروف اللغة والأعداد، والوسائل التعليمية، ودفاتر الأشغال••• إلخ•
ـ مرحلة الطفولة المتوسطة (6 ـ 8) سنوات، التي تُطلق الطفل نحو الخيال الحر، ويظهر ولع الطفل فيها بالقصص الخيالية التي تعالج غير المحسوس، وتُخرج الطفل من محيطه وعالمه، ويتعلم فيها القراءة والكتابة، ويستمع فيها الطفل إلى الروايات الخرافية، ورحلات الاستكشاف والاختراعات بأسلوب موجز، وقصص أفلام الكرتون، وكتب وموسوعات المعارف المبسطة والمصورة والملونة، والكتب التعليمية المتنوعة•
ـ مرحلة الطفولة المتأخرة (9 ـ 21) سنة، التي تسمى كذلك مرحلة المغامرات والبطولات، والتي يهتم فيها الطفل بالميل إلى المغامرة، والاهتمام بالمسائل التاريخية وبطولاتها، والمقدرة على الاستظهار والحفظ للأناشيد الطويلة، وتعرّف الحقائق العلمية، وقراءة الشِعر والنثر، والميل إلى التفكير والتأمل وطرح الأسئلة على الذات وقراءة قصص الأمجاد الوطنية والشعبية•••• إلخ•
ـ مرحلة المراهقة والعاطفة (21 ـ 81) سنة، والتي ينتقل الطفل فيها نحو الشغف بالقصص التي تختلط فيها المغامرة بالعاطفة، وتقل فيها الواقعية، ويميل الطفل فيها إلى قراءة كتب المعارف والقصص الوجدانية والطموحات وسير الأبطال، ويحاول فيها الإجابة عن أسئلة يطرحها على نفسه من خلال اطلاعه على كتب التاريخ والجغرافيا والمجتمع والأديان والعلوم والثقافات الأجنبية والتقانات والتجهيزات والصناعة والفضاء وغير ذلك•
2 ـ الكتاب سهل الفهم، يحوي تعابير سهلة، ومفردات مألوفة، وألفاظ مرغوبة، وتوضح الجمل والصور والأشكال والرسوم الجميلة والألوان الزاهية•
3 ـ الكتاب يستجيب لرغبة الطفل بشكل عفوي، ويتجه لقراءته دون الاستعانة بالأهل أو المعلم، ويلبي حاجاته المعرفية، وكذلك حاجات التسلية والترفيه•
4 ـ الكتاب موجه لأطفال النخبة أو لأبناء العامة، من خلال تصميمه، ومحتوى مواده، وألوانه وسعره بحيث يكون تصميم كتاب أبناء النخبة (الميسورين مادياً) بعناية فنية، وورق مصقول أو من الكرتون المقوى، والمسلفن وألوانه زاهية، وبالتالي يكون سعره مرتفعا ًبينما قد يكون الكتاب بالمحتوى نفسه موجهاً لأبناء العامة (غير الميسورين مادياً) ولا ضرورة أن يكون ورقه مصقولاً أو من الكرتون المقوى وألوانه زاهية بحيث يكون سعره متدنياً•
5 ـ الكتاب يتضمن محتوى يناسب احتياجات الطفل في مجتمع محدد،وله خصائص معرفية وثقافية وتقانية متميزة عن المجتمعات الأخرى ويحوي موضوعات معمقة وخصبة وممتعة ومسلية وهامة•
6 ـ الكتاب يعرض بطريقة منهجية، متسلسلة، وجذابة في محتواه وشخصياته، ومعلوماته المتعددة، ومضامينه، وعقدته، والتغيرات الحاصلة فيه، والتحولات المتتالية، يرغب الطفل في متابعة قراءته حتى النهاية لأن كتابته جميلة، ومتدرجة ومشوقة (01)•
7 ـ أنواع كتب الأطفال وفق فئات العمر
تلبي كتب الأطفال حاجتهم إلى المعرفة والثقافة بأكملها، لذلك يتطلب الأمر توفير أنواع مختلفة من الكتب، تتضمن آليات تعلم وتسلية، وتحقق الرضا، وتشبع التطلعات الذهنية والحسية للأطفال(11)•
تصنف كتب الأطفال وفق المجموعات الرئيسة الآتية:
ـ المجموعات المصورة•
ـ المجموعات التركيبية•
ـ مجموعات التلوين والرسم والأشغال والطبع•
ـ مجموعات المطابقة والتصنيف والإضافة والتسلية•
ـ الكتب التعليمية•
ـ مجموعات الوسائل التعليمية والتوضيحية•
ـ القصص المرسومة والملونة•
ـ القصص التوجيهية القصيرة•
ـ كتب الألعاب التربوية والتعليمية•
ـ الروايات•
ـ كتب الشعر والأناشيد•
ـ مجموعات الكتب المعرفية في الميادين المختلفة•
ـ موسوعات المعارف والعلوم المتنوعة•
ـ القواميس والمعاجم الشاملة والاختصاصية•
ـ الكتب ذات المحتويات المتنوعة والاختصاصية•
يتطلب العصر الحالي توفر مكتبات متخصصة بالأطفال، لأنها تسمح للطفل بقراءات متنوعة وكثيرة، وفي اتجاهات متعددة، وتعّرف الكبار إلى ما يفضله الأطفال، لأن الطفل بعمله وسلوكه الاختياري بين كتب كثيرة موجودة أمامه وموضوعة تحت تصرفه يكشف لنا عن ميوله واهتماماته وذوقه (21)•
يجب أن تتألف تلك المكتبات سواء أكانت عمومية أم منزلية من كل أنواع الكتب المذكورة أعلاه، لأنها ضرورة وتقود الطفل إلى حالة من التفتح والتنوع والتعدد في القراءات وتكوين التصورات•
8 ـ كيفية تحديد محتوى كتب الأطفال تبعاً لفئات أعمارهم ومراحل طفولتهم
ينمو الأطفال جسدياً وعقلياً، وتزداد حاجاتهم إلى التنوع الثقافي والمعرفي، وتتعدد اتجاهاتهم عند انتقالهم من مرحلة طفولة إلى أخرى، بل من سنة إلى أخرى•
كما يختلف محتوى الكتب الموجهة إليهم، وتتنوع موضوعاتها، ويختار مؤلفوها أو مترجموها أو ناشروها المواد التي تتضمنها الكتب تبعاً لأعمار الأطفال وبيئاتهم، وخصوصية مجتمعهم، كما يقتضي الأمر أن يختار الآباء أو المربون والمعلمون أو مديرو المؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية أو الإعلاميون الكتب التي يناسب محتواها أعمار الأطفال وفق ما يلي: (31)9 ـ العلاقة بين كتاب الطفل ووسائل الاتصال السمعية والبصرية
يشتكي الآباء من ابتعاد الأطفال عن قراءة الكتب، وتعلقهم بالوسائل الحديثة للاتصال الممثلة بالتلفاز والفيديو والمذياع وأجهزة التسجيل والحاسوب وشبكة الإنترنيت وغيرها•
وتمثل وسائل الاتصال الحديثة السمعية والبصرية أحد وجوه حضارتنا المعاصرة، لذلك لا يمكن إبعادها عن حياتنا، بل يكمن دور الآباء في الإشارة إلى أفضل البرامج والموضوعات التي تسهم في حسن توجيه الطفل وتربيته وتعليمه•
يبدأ الأطفال بمشاهدة تلك الوسائل من سن الثالثة، وتصبح محببة جداً لهم، وتكون جزءاً من حياتهم اليومية ويتابعون برامجها وموضوعاتها، ويثابرون على مشاهدتها والاستماع إليها، ويمضون أوقاتاً طويلة في متابعتها إلى حد أنها تصبح ملهاة كاملة لهم(41)•
تتمتع الوسائل الحديثة بمزايا كبيرة تربوية وتعليمية وترفيهية وترويجية لا تضاهى، إنها تشغل الكثير من وقت الطفل، وتحل محل اللعب خارج البيت أو التوجه نحو مطالبة الكتب•
بهدف توجيه تلك الوسائل نحو تحقيق المزيد من المزايا للطفل، وتكامل مخرجاتها مع الكتاب، ينبغي على الأسرة اتباع ما يلي:
ـ تخصيص وقت محدد لمشاهدة وسماع تلك الوسائل•
ـ تحديد البرامج والموضوعات التي يُسمح بمشاهدتها أو سماعها•
ـ مساعدة الآباء أطفالهم في تقصّ البرامج التي يشاهدونها وحسن انتقائها•
ـ عدم السماح للأطفال بمشاهدة أو استخدام تلك الوسائل قبل كتابة وظائفهم ومذاكرة دروسهم•
ـ وجوب تعميم حظر مشاهدة تلك الوسائل أو استخدامها على كل أفراد الأسرة بما في ذلك الآباء•
ـ توضيح الفائدة للأطفال من أهمية حظر مشاهدة تلك الوسائل أو استخدامها، وضبط ذلك•
ـ منع مشاهدة البرامج والموضوعات السيئة أو غير المناسبة للواقع والبيئة المحلية•
ويتأثر كتاب الطفل بعوامل سلبية عدة مثل الإعلانات الطرقية والجدارية وفي وسائل النقل، والصور المنتشرة بشكل واسع، والتي تعالج موضوعات عدة، ووجهات النظر التي تقدمها، واللغة التي تستخدمها، ومدى قبولها، والتي تسهم في تشويش الأطفال وتبعدهم عن الكتاب(51)•
01 ـ تحديات كتاب الطفل: التلفاز والحاسوب والإنترنيت
يواجه كتاب الطفل حالياً تحديات كبيرة من التقانات المستخدمة حالياً في عالم الإعلام والاتصال والثقافة، لاسيما التلفاز والقنوات الفضائية والحاسوب وشبكات الإنترنيت، لأنها تُعد أكثر قدرة على إيصال المعلومة ونقلها من الوسائل التقليدية الممثلة بالكتاب، لاعتمادها على الصوت والصورة معاً• ويفسر ذلك شغف الأطفال بها، وجعلها في مقدمة اهتماماتهم، لأنها تمتلك إمكانات كبيرة مرغوبة لدى الأطفال، ولأنها قادرة على تجسيد المضمون الثقافي بتركيز كبير بفضل احتوائها على المؤثرات السمعية والبصرية والضوئية والعرض وأنماط الخطوط والأشكال والرسوم وغيرها•
كما تؤدي تلك التقانات دوراً في تجسيد الثقافة للأطفال، لأنها تكسبهم كثيراً من عناصر الثقافة، خاصة القيم والميول والعادات والأفكار والتسلية والتاريخ والفنون والعلوم المتنوعة وغير ذلك، إضافة إلى تقديمها برامج تعليمية محببة للأطفال ومرغوبة منهم يَعُّدها مختصون في التربية•
فإنها تشكل مربية أخرى تشد الأطفال إليها عندما لا يهتم بهم أحد (الأهل)، كما يحب الأهل أن يشاهد أطفالهم تلك الوسائل بدلاً من ممارسة اللعب لأنهم يقضون الكثير على الوقت أمامها وبما يزيد على الوقت الذي يقضونه في اللعب• 
قد لا يحقق الأطفال أية فائدة عملية، أو قيمٍ تربوية إذا لم يكونوا برفقة أطفال آخرين أو راشدين يعلقون على البرامج والمحتويات، أو يطرحون أسئلةٍ ويقدمون ملاحظاتهم عليها(61)•
وإن الوسائل والتقانات الحديثة تقدم المعارف بل حتى التسالي بطريقة جذابة جداً، وبأسلوب أكثر جاذبية، من المعلمين والأهل أو الكتاب، وبذلك يصبح الكتاب المدرسي خاصة والكتاب عامة مزعجاً للطفل•
تلك هي التحديات الكبيرة التي تواجه كتاب الطفل، هل أعد المعنيون بكتاب الطفل أنفسهم وإمكاناتهم لمواجهتها؟!
المصادر:
1 ـ كنعان (أحمد علي): أدب الأطفال والقيم التربوية، دار الفكر، دمشق، 5991، ص (46)•
2 ـ كنعان (أحمد علي): أدب الأطفال (المرجع السابق)، ص (47)•
3 ـ كنعان (أحمد علي): أدب الأطفال (المرجع السابق)، ص (201)•
4 ـ كنعان (أحمد علي): أدب الأطفال (المرجع السابق)، ص (83)•
5 ـ كنعان (أحمد علي): أدب الأطفال (المرجع السابق)، ص (64)•
6 ـ كنعان (أحمد علي): أدب الأطفال (المرجع السابق)، ص (05)•
7 ـ منهاج رياض الأطفال في سورية، مرعي (محمد مرعي) مع مؤلفين آخرين، وزارة التربية، سورية، 6991 ـ 7991•
8 ـ صحيفة تشرين السورية 8991•
9 ـ مرعي (محمد مرعي)، السعيد (جهاد): دليل تربية الطفل صحياً ونفسياً وسلوكياً، دار ربيع للنشر، حلب، 9991، ص (411 ـ 611)•
01 ـ جعفر (عبد الرازق): الكتاب والطفل، دار الجيل، بيروت، لبنان، 2991،ص (82 ـ 63)•
11 ـ مرعي (محمد مرعي): الألعاب التربوية المتكاملة، دار ربيع للنشر، حلب، 9991، ص (7 ـ 9)•
21 ـ ميرايل (سيسـيليا): مشكـلات الأدب الطفـلي، تـرجمة مها عرنوق، وزارة الثقافة، سوريا، 7991، ص (731)•
31 ـ مرعي (محمد مرعي): الوسائل التعليمية المتميزة، خمس مجموعات، للأعمار (3 ـ 7) سنوات، دار ربيع للنشر، حلب، 7991•
ـ مرعي (محمد مرعي): الخبرات التربوية المتكاملة، عشر مجموعات، للأعمار (3 ـ 6) سنوات، دار ربيع للنشر، حلب، 0002•
ـ سـلسلة التربيـة المتميزة، سـبعة عـشر كـتاباً تعليمياً للأعمار (3 ـ 6) سنوات، دار ربيع للنشر، حلب، 8991•
ـ الاكتشافات الكبرى في التاريخ (الجغرافية، العلمية، الطبية)، للأعمار (8 ـ 81) سنة، دار حازم، دمشق، قيد الطبع•
41 ـ ايلغ (فرانسيس)، ايمـز (لويـز): سـلوك الطفل، ترجـمة فاخر عـاقل، دار طـلاس، دمشـق، الطبعة الثانية •ص (394 ـ 594)•
51 ـ ميرايل (سيسيليا): مشكلات الأدب الطفلي، المرجع السابق ص (031)•
61 ـ مرعي (محمد مرعي)، السعيد (جهاد): دليل تربية الطفل، المرجع السابق، ص (711 ـ 911)•

 

5.       متى نصنع أدباً يحبه الأطفال؟  
 بسمة الخطيب 

جريدة السفير (لبنان)   
 
الجمعة، 9 تموز «يوليو» 2004   
 
 
 
     إن أي ذكر لواقع الثقافة العربية وأي خوض في معالجة وتحليل أزماتها المتراكمة والمتضخّمة، يعيدنا الى نقطة البداية والمركز الرئيس الذي تتمحور حوله هذه الثقافة، ألا وهو “ثقافة الطفل العربي”.

في كل مكان حولنا وفي كل ميدان من ميادين الثقافة والفنون نسمع النحيب والعويل وزفرات الاستسلام. (شعب لا يقرأ. لا ينتج. لا يتعلّم من دروس الماضي. لا يهتمّ لاستحقاقات المستقبل...).

هذا واقع عربي تهيّأت مناخات الاحباطات السياسية والانكسارات الرؤيوية وعوامل إثنية وتيارات العولمة الجارفة لترسيخه. هذا عالم عربي من أقصاه إلى أدناه لا ينتج سنوياً ما تنتجه دولة أوروبية شهرياً من كتب ودوريات. وهذه أرض عربية لا تتفوّق في شيء سوى خصوبة الانجاب. فماذا تقدّم لمن تنجبهم؟ ولأي غد تحضّرهم؟ وأية ثقافة تلقّنهم علماً وسلوكاً وفكراً؟

أسئلة تحيلنا إلى مضمار ثقافة الطفل وتحديداً الى أدب الأطفال. ماذا تنتج دور النشر (اللبنانية نموذجاً) وماذا تقدّم للقارئ اللبناني الصغير؟ ما واقع القراءة في صفوف الأجيال الناشئة؟

كغيره من ألوان الآداب، تأخّرت ولادة أدب الأطفال العربي عن تاريخ ولادة هذا الأدب عالمياً. فإذا كانت بداية ظهور أدب الأطفال العالمي كفنّ مستقلّ ومكتوب تعود، إلى العام 1697 مع ظهور كتاب “حكايات أمي الأوزة”، للأديب الفرنسي شارل بيرو، فقد لزم العرب قرنان من الزمن، بعد هذا التاريخ ليؤسسوا “أدب الطفل العربي” وذلك عبر الترجمة والاقتباس عن سلفه العالمي والأوروبي تحديداً. أول المترجمين كان رفاعة رافع الطهطاوي أواخر القرن التاسع عشر، وأبرزهم أحمد شوقي في “شوقياته الصغيرة” المتأثّرة ب”خرافات” الشاعر الفرنسي لافونتين. ثم ظهر كامل كيلاني (19591897) الذي يعتبر الرائد الحقيقي، بل الأب الشرعي لأدب الأطفال العربي، والذي نشر منذ عام 1927 وحتى وفاته حوالى 200كتاب، مستمدّاً معظم موضوعاته من التراث العربي والعالمي.

كذلك تأخر أدب الأطفال العربي في مواكبة تطوّر الأدب العالمي، وبقي يعاني من مشاكل حالت دون وصوله إلى الأطفال وترحيبهم به، ودون قيامه بمهامه.

تميّز هذا الأدب خلال النصف الثاني من القرن العشرين برداءة الإخراج الفني من حيث قلّة جودة الطباعة وعدم توفّر الرسومات الملوّنة الجميلة والأغلفة السميكة، واستخدام الورق الرقيق غير المقوّى. كما بقي أسير أسلوب الوعظ والتعليم، واللغة العربية الجامدة والصعبة، وكثرة الوصف والعبارات الإنشائية المطوّلة، وعدم مراعاة الفروقات الفردية بين الأطفال من فئات عمرية متباينة...

جميع هذه المشاكل وغيرها دفعت الأطفال إلى النفور من القراءة وصرفت أهلهم عن شراء الكتب، مما سبّب انتكاسة لدور النشر، ودفعها لدراسة هذه الظاهرة ومعالجة ما يمكن معالجته.

بعد محاولات فردية ومساعدات محدودة من بعض الوزارات الثقافية العربية (الخليجية تحديداً) بدأ المشهد بالتغيّر. اليوم يمكننا تحديد بعض دور النشر العربية التي تعمل بجدّية بالتعاون مع فريق من الخبراء والاختصاصيين للنهوض بهذا القطاع الثقافي الأدبي المهمّ. صحيح أنها لا تكاد تحصى على أصابع اليدين لكن هذا أفضل من غيابها التام.

المشروع في أكمله ما زال في طور التبلور، لكن نموّه البطيء يثير القلق، ويدعو الى تسليط الضوء على المشاكل التي تعترضه، وحثّ المجتمع المدني والرسمي لمؤازرته.

 

6.   الكتابة للاطفال يجب ان تكون مبنية على الابداع والمعرفة الصحيحة بالمستوى اللغوي عند الطفل

تغريد النجار لـ "العرب اليوم " :الدعم الثقافي لادب الاطفال يكاد يكون غير موجود


(14/9/2007)
العرب اليوم - آيه الخوالدة
اكتشفت مدى الحاجة لكتب ممتعة وشيقة وموجهة للاطفال في المراحل العمرية المبكرة وعملت على هذا الاساس وخرجت بكتب اطفال لامست حياتهم وانطبعت في قلوبهم. 
وصدر للكاتبة تغريد النجار 28 قصة مصورة للاطفال, ترجمت احداها " من خبأ خروف العيد? " إلى اللغة الانجليزية والفرنسية, وقد حولت قصة "الغول" إلى قصة رسوم متحركة من خلال برنامج " شارع سمسم" كما تفرغت النجار للكتابة والنشر واسست دار السلوى للدراسات والنشر عام 1995 وهي الآن تديرها إلى جانب متابعة الكتابة في مجال عالم الطفل وهي عضو في رابطة الكتاب الأردنيين. 
والنجار تحمل شهادة البكالوريوس في الادب الانجليزي ودبلوم التربية وعلم النفس من الجامعة الأمريكية في بيروت, عملت في مجال التعليم لعدة سنوات ثم انتقلت إلى مركز هيا الثقافي لتدير قسم النشر وأنشطة المراكز. 
بالعرب اليوما حاورتها حول هموم الكتابة للطفل وواقع هذا الحقل في الساحة المحلية وحول عملها في مركز هيا الثقافي كيف اثر على الكتابة للاطفال فماذا قالت: 
- عملي في مركز هيا الثقافي كان يعتمد على الاتصال المباشر بالاطفال والتعامل معهم و من خلال عملي ايضا كنت على اطلاع كبير بنوعية الكتب المتوافرة آنذاك وكانت اغلبها مترجمة تأتينا من المكتبات العربية مثل مكتبة الخضراء في مصر, وشعرت وقتها باحتياجنا الكبير للادب المحلي الذي يعكس خصوصية المكان والمعتقدات, نوعية من الكتب تهتم بالصورة والكلمة. 
كما امتلك حب القراءة منذ صغري و كنت دوما احلم بالكتابة للاطفال وقد تحقق الحلم في سنوات السبعينات حيث صدرت اول قصة لي بعنوان "صفوان البهلوان", كما قمت بإرسال مجموعة من قصصي إلى أكبر دار نشر للاطفال وقتها "دار الفتى العربي" و نشروا لي 4 قصص ما ترك الأثر الأكبر في قلبي وأدركت إنني أجد نفسي في مجال الطفل والاهتمام بقراءته. 
* حدثينا عن برنامج "دعم" للمطالعة اللامنهجية الذي قمت بتطوره؟ 
- برنامج "دعم" هو برنامج متكامل للقراءة اللامنهجية المقررة للصفوف الاساسية حتى الصف الرابع ويحتوي البرنامج على سلسلة من القصص التي تنمي حب المطالعة عند الطفل والهدف من هذا البرنامج هو ابعاد القصة بشكل تام عن المنهج ورتابته. انا احاول ان احافظ على متعة القصة والاستفادة من العناصر المهمة فيها, ولنجعل القصة بعيدة عن الملل والتلقين قمت باضافة مجموعة من التمارين مثل الكلمات المتقاطعة والرسم والقص واللصق, ايضا هناك اجراء بحث يتطلب من الطفل الرجوع إلى المعلومة والبحث عنها بالتالي قمنا بتعويد الطفل على قراءة القصة بشكل معمق اكثر ويقوم على تحليل عناصر القصة بشكل تلقائي.
* لماذا لم يظهر أدب الاطفال في الاردن كأدب منظم كما ونوعا, كما هو في الدول العربية؟ 
- انا اخالف هذا الرأي, هناك تجارب كثيرة في مجال ادب الاطفال, لكنها في الاغلب جهود شخصية, اذ لا يوجد هناك دعم من الجهات الاعلامية. 
* بحكم تخصصك في ادب الاطفال, هل يعد الدعم الثقافي لهذا الادب كافيا؟
- لا الدعم غير كاف او بالأصح يكاد يكون غير موجود, ان ادب الاطفال هو الادب الاساسي فهو يقوم على تأسيس جيل قارئ وبالتالي يوفر ايجاد الدعم لادب الكبار. نحن كأدباء محليين نلاقي صعوبة كبيرة في وصول كتبنا إلى المؤسسات التربوية اي المدارس, اذ ان طباعة الكتب تكلف الكثير وهو غير مدعوم وبالتالي يكون ثمنه مرتفعا ولا يمكن ان يصل إلى كل طفل. 
ربما توجد هناك بعض الآليات لدعم ادب الاطفال لكنها آليات معقدة وغير مجدية و انا اتمنى زيادة عدد المكتبات العامة لتصل إلى كل الاماكن والاحياء الشعبية التي يعتبر اهلها الكتاب شيئا كماليا يمكن الاستغناء عنه. 
* برأيك هل يساهم ادب الاطفال من خلال القصص والرسومات في الكشف عن الطاقات الجديدة المخبأة في اطفالنا وتمنحهم الفرصة لاطلاق عنان خيالهم؟ 
- نعم, فالطفل له علاقة وثيقة بالقصة التي توصل له المعلومة والمشاعر, خصوصا المشاعر السلبية التي يمر بها الطفل في عدة مراحل من حياته مثل الغيرة والخوف من الظلام, فبوجود القصص التي تتناول هذه الموضوعات يحس الطفل بوجود اخرين يعانون من هذه المشكلة وبالتالي يخفف ذلك الكثير عنه ويصبح اكثر قربا من اهله.
يلعب الاهل هنا دورا اساسيا في اقتناء القصص وقراءتها لاطفالهم حتى يصبح ذلك عادة وروتينا في حياتهم ما تجعله يحس بالدفء والامان وتوصله في النهاية إلى حب المطالعة. 
ان حب القراءة والمطالعة يعدان نوعا من الادراك والتحليل, اذ يتعود الطفل على استنباط وربط الافكار, فحضور افلام الرسوم المتحركة مجرد تلقيها بينما القراءة  تحويل الرمز الكلمة إلى معنى وربطها بمعنى اخر. 
* هل يتوافق ادب الاطفال في الاردن مع ما يحتاجه الطفل العربي والأردني من معلومات قيمة ومقنعة بذات الوقت؟
- هناك جهود كبيرة في مجال ادب الاطفال والكتاب المتخصصون يحاولون مجاراة الكتاب العرب والغربيين في هذا المجال, لكننا ما زلنا في اول الطريق وبحاجة إلى وجد قصص مصورة اكثر ووجود قصص تخاطب الفئة العمرية من 9 سنين وما فوق, هذه الفئة المهملة والتي لا تجد تقريبا ما تقرأه ولنحاول عدم فرض نوع معين من الكتب عليهم اذ يتميز هذا العمر الحرج بالعناد والعزلة, فيجب استخدام عامل الجذب, من خلال تنمية حب قراءة اللغة العربية ووجود الكتب التي تخاطبهم هم لا غيرهم. 
* ساهمت الوسائل التكنولوجية الحديثة بتغيير الأسلوب ونمطية التفكير عند الطفل, فهل لهذه العوامل اثر على نوعية الكتابة والادب الموجه للطفل نفسه؟ 
- الأمور التكنولوجية اشعرت الطفل بسهولة الحصول على الاشياء والمعلومات, اذ لم يعد ضروريا لديه ان يفكر ويحلل انما فقط ان ينقل معلومات جاهزة عن الانترنت, لكن يبقى لها الاثر الايجابي والسلبي معا, فأثرها الايجابي هو انها قدمت للانسان الواعي معلومات بلا حصر. واثرها السلبي انها ابعدت كافة شرائح المجتمع عن الكتاب الورق وخصوصا فئة الاطفال. 
* من الملاحظ في الدول الغربية اهتمامها الكبير في الشكل الخارجي لقصص الاطفال من حيث الملمس والالوان والمجسمات, هل يبعد هذا الشكل الصاخب الطفل عن مضمون القصة والهدف منها؟ 
- يبقى للكتاب خصوصيته ولا خوف عليه من الاختفاء, وتعد هذه الأمور نوعا من التلاعب بالكتاب من اجل اهداف تجارية بحت فقط لترويج بيعها وليس الهدف تشجيع القراءة وجذب الاطفال لها. 
هي تبعد الطفل عن مضمون القصة, الطفل يرغب بالحصول عليها لانها لعبة يقوم بالتسلية بها لبعض الوقت ثم يمل منها ويتركها, بينما الكتاب الورقي العادي الذي يحتوي على الرسومات الملونة فيجذب الطفل عن طريق الكلمات والفكرة. 
* ما قولك في الكتاب غير المؤهلين الذين دخلوا عالم ادب الاطفال؟ 
يوجد هناك مفهوم خاطئ يجذب هؤلاء الكتاب وهو ان الكتابة للاطفال مهمة سهلة عبارة عن رسومات ملونة تعبر عن كلام بسيط, لكن يعد هذا عدم احترام للطفل, فالكتابة في أدب الاطفال هي تندرج تحت السهل الممتنع وتعد مسؤولية كبيرة. 
لكن يبقى الطفل هو الحكم في النهاية والذي يضمن الاستمرارية لهؤلاء الكتاب, فأغلبهم قد نجحوا بطبعة واحدة وفشلوا في البقية, فأغلب كتبهم تكون غير مناسبة لغويا وتربويا, وتعطي القيم والدروس بشكل مباشر فيبتعد الطفل عن القراءة. 
برأيي يجب ان تكون الكتابة للاطفال مبنية على الابداع المبني على العلم والمعرفة بالطفل وقدرته اللغوية ومستوى ادراكه

7.   صورة المرأة في قصص الأطفال

روز شوملي مصلح

عندما طُرحت قصة "أين اختفت فلة" من أجل أن ترسم، تقدم أربعة من الرسامين والرسامات بـ"سكيتشات" تصور الشخصية الأساسية في القصة. ثلاثة رسموها طفلة، ورسامة واحدة فقط رسمتها طفلاً كما هو النص. 
لماذا هذا الالتباس؟ حتى لو افترضنا أن النص لا يشير بشكل واضح إلى جنس الشخصية، فلماذا هذا الإصرار على أن تكون الشخصية الأساسية طفلة فتاة؟ من الواضح أن الدور أو السلوك الذي نتوقعه من الشخصية، هو الذي حدد جنس الشخصية. ولأننا نعتبر الطفلة هي أكثر رقة في التعامل مع القطط، وفي العطف عليها، فقد كان طبيعياً أن يحصل هذا الالتباس. خاصة أننا ننظر إلى الطفل الذكر، كمعذب للقطط وليس راعيا لها. 
يمثل هذا الاختيار لجنس الشخصية موقفاً نمطياً سائداً في أدب الأطفال ليس من حيث الصور والرسومات الإيضاحية فقط، بل من حيث رسم الشخصية في النص والذي يعكس نمطاً سائداً للنظرة للجنسين، تشكلت تاريخياً ضمن تقسيم للأدوار بني على أساس ارتباط المرأة بالدور الإنجابي وعالمها المقتصر على بيتها وأسرتها، والذي يترك المجال العام مفتوحاً على مصراعيه أمام الرجل، ما أفرز نمطاً من المواصفات والسلوك التي ترتبط بكل منهما، كان ذلك في مجال العمل المنزلي، أو الإنتاجي، أو الإبداعي أو في مجال العمل المجتمعي.
ورغم ما تم إنجازه في مجال أدب الطفل من حيث إعطاء صورة غير نمطية للطفلة الفتاة، ورغم ما قامت به الحركة النسوية في الوطن العربي، بخاصة في فلسطين في مجال كسر الصورة النمطية السائدة عن دور الرجل والمرأة، إلا أن الصورة النمطية ما زالت هي الطابع الغالب على الشخصيات التي تتضمنها كتب الأطفال. وربما يكون الأخطر في أدب الأطفال هو ما خاطب مرحلة الطفولة المبكرة والتي تعتبر من حيث الأهمية أكبر بكثير من غيرها باعتبار أنها تؤسس لما بعدها.
وسوف نحلل على هذه الصفحة، بعض قصص المرحلة العمرية المبكرة التي يتم تداولها في فلسطين، ونشرت من قِبل دور نشر مختلفة، بعضها كتب باللغة العربية بهدف تبيان بعض المحاولات الجادة في أدب الأطفال التي قام بها في الغالب كاتبات وكتاب فلسطينيون بصرف النظر عن مكان إقامتهم، وبعضها مترجم للعربية تم اختيارها لتكتمل الصورة حول ما يقرؤه أطفالنا في المرحلة العمرية المبكرة. 
وفي هذه الصفحة، لن نتطرق إلى الحبكة القصصية بصرف النظر عن مستوى الجودة، أو إلى الجانب الفني للرسومات الإيضاحية الإ بعلاقتها بموضوع البحث.
وفي هذه الصفحة، سوف أكتفي بتحليل قصتين تحليلاً معمقاً من منطلق الصور التي تظهر بها الفتاة في مقابل الصور التي يظهر بها الفتى. والقصتان هما "أنا لست شقيا" للكاتبة صفاء عمير، و"هل أنت جبان يا برهان" للكاتبة السويدية جونيلا بيرجسترم.

الشقاوة كصفة ملازمة للذكور 
قصة صفاء عمير "أنا لست شقياً"(1) ، تتحدث من خلال صوت الطفل "الشقي" كي تنفي التهمة عنه، باعتبار أن الشقاوة هي صفة طبيعية للمرحلة التي يمر بها الطفل وأن حياة الطفل توازي اللعب، واللعب طريقه للاكتشاف، وهو إذ يفعل ذلك، قد يتسبب بأضرار أو بأذى للأطفال الآخرين. لكن لماذا لا تلعب ابنة خالته مثله وهي طفلة هي الأخرى! الصورة الوحيدة التي نجد الفتاة تلعب مع الطفل الشقي دون إشكالات هي صورة الغلاف والتي تصور الطفل الشقي وهو يجعل من نفسه عربة تركب عليها فتاتان، وهذا لم يرد في النص. 
الطفل الشقي يدافع عن نفسه بأنه ليس غبياً بل قوي وذكي ومحب للعب والشقلبة. وفي كل الصور التي رسمتها الرسامة ريم بدر، نرى طفل الحكاية يلعب بالكرة، وهو كثير الحركة ويقلب الأشياء، ولا يعيدها إلى مكانها، وانه حين يلعب مع ابنة خاله تصرخ وتبكي هاربة منه. وفي الرسومات أيضاً صورة الأب صاحب السلطة العليا يؤنب الولد الشقي ويهدده بالضرب. تماماً كأية صورة نمطية للولد الذي يستقوي على غيره من الأطفال، ويقف ضعيفاً في وجه السلطة الأعلى وهي سلطة الأب الذكر. 
النص والصور تظهر الطفل الشقي عدوانياً وتظهر ابنة خالته ضعيفة، سلبية تبكي بسببه، وتحتاج إلى من يحميها. ونراها تختبئ من الولد "الشقي" بطل القصة وراويها في حجر والدتها. ويتكرر مثل هذا الموقف للطفلة الفتاة في أكثر من مكان حيث نجدها دائماً تمسك بأحد أو تختبئ خلف أحد. وبذلك تتشكل الصورة النمطية للفتاة في مقابل الصورة النمطية للولد "الشقي". فهي الضعيفة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها. وتنتهي القصة بأمنيات الولد "الشقي" في لعبه الإيهامي بأن يكون طرزان أو سوبرمان، ونراه يتسلق الأشجار. 
صفاء اجتهدت من أجل أن تخلق شخصية تعبر عن ميول الطفل واهتماماته في مرحلة عمرية معينة، فهل توفقت في ذلك؟
ربما قصدت صفاء عمير، في قصتها "أنا لست شقياً" تصوير شقاوة الطفولة واعتبارها من سمات المرحلة التي يمر بها الطفل والتي هي ضرورية لنضجه، لكن في تركيز الكاتبة على نوع واحد من اللعب، ساهمت في إضفاء مزيد من "الشقاوة" على الشخصية بالمقارنة مع شخصية الطفلة الفتاة التي بدت خائفة من عدوانية الطفل الشقي وهي تحتمي خلف أمها أو أبيها تستنجد بهما. لماذا لا يلعب الطفل ألعاباً هادئة، أو لماذا لا نرى الطفلة الفتاة تلعب هي الأخرى، والتي هي في مثل عمر بطل القصة وراويها؟ الطفلة الفتاة بدت "أداة" للعب وليست طفلة يحق لها أن تلعب. وهذه المفارقة ساعدت في إضفاء صفات النمطية الذكورية كالعدوانية على الطفل الشقي بطل القصة، وأعطته امكانية أن يفعل ما يريد. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الإناث يسبقن الذكور في مرحلة الطفولة المبكرة والمتوسطة عقلياً وجسدياً، نرى كم كان رسم الشخصيتين جائراً ونمطياً. تحضرني هنا قصة جنان، ذات الجورب الطويل المترجمة عن دار المنى(2)، والتي جاءت لتكسر هذه النمطية. جنان طفلة قوية، ولكنها تساعد الأطفال الآخرين، وتستخدم قوتها ضد الشر. وربما تكمن عظمة كتاب "جنان ذات الجورب الطويل" في أنه جعل شخصية الطفلة الفتاة، مزيجاً من الجرأة والإقدام والشجاعة مع كثير من الإبداع في رؤية الأمور وتجريد زيفها. 
وكم كنت أتمنى لو أن الطفل "الشقي"، الذي يريدنا أن نفهمه، يعرف أن سقف حقوقه، هي حقوق الآخرين، ولا يترك ما يقلبه من أشياء على الأرض كي تلتقطها أمه وتعيدها إلى مكانها. 
وربما أخطر ما في النص، تجلى في دفاع الطفل عن نفسه بأنه ليس شقياً وليس غبياً كأن الغباء صفة مرادفة للشقاوة. وهذا الربط في العلاقة عائد إلى حد كبير إلى الصورة النمطية غير العادلة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، والتي سقطت منذ زمن مع سقوط نظرية الذكاء الواحد.

الشقاوة ــ وجهة نظر أخرى 
قصة "هل أنت جبان يا برهان؟"(3) من تأليف جونيلا بيرجسترم، وترجمة منى زريقات هنينغ، صدرت عن دار المنى في السويد، وتعالج مشكلة العدوانية والشقاوة عند الأطفال الذكور، (4) بطريقة مختلفة. برهان طفل عمره ست سنوات، يكره المشاجرة. يبتعد عن الأولاد حين يتشاجرون. ورغم ما يظنه الآخرون من أنه جبان، فهو يعرف تماماً أنه لا يحب المشاجرة. وعندما لا يستطيع برهان أن يتهرب من المشاجرة، يتظاهر بأنه يستسلم، فتنتهي المشاجرة بسرعة. وشخصية برهان ليست شخصية نمطية للذكور، وقد تعتبر شخصية برهان جبانة لو لم يكن قوياً. لكنه لا يستغل قوته من أجل إثبات قوته للآخرين. برهان لا يهتم بما يقوله الآخرون عنه، وهم يحاكمونه من منظار نمطي. تقول جدته: إنه أكثر طيبة من الآخرين، لكن برهان ينفي ذلك لأن الطيبة بنظر الجدة هي ميزة سلبية. وهو يعتبر أن موقفه هو موقف من المشاجرة ذاتها، وليست بسبب طيبته أو جبنه، أو ضعفه، كونه يستطيع أن يكسر قضيباً أو يحمل طبقاً كبيراً، أو يحمل رزمة ثقيلة. وفي الوقت الذي يحاول الأطفال الأشقياء الذين يريدون فرض سيطرتهم على الجميع من خلال التغلب عليهم بالمنازلة، يعتذر برهان بحجة أنه لا يحب المشاجرة. 
برهان طفل شجاع، لأنه ظل محافظاً على موقفه. وبرهان كان قوياً لأنه لم ينجرّ إلى الشجار. ولأنه أعلن ذلك دون خوف. "هكذا اعترف الأطفال فيما بعد، وهم يرونه يستكمل بناء صندوقه". هنا تأتي فكرة البناء عوضاُ عن فكرة الشجار. وفي المساء، عندما يسأل برهان أباه إذا ما كان يتشاجر مع الآخرين، يجيب الأب، "لم أفعل ذلك، لقد كنت أخاف قليلاً". عندها يدرك برهان مدى شجاعة أبيه فيقول: "إنها شجاعة منك حقاً أن تعترف بذلك". 
صورة الطفل برهان تنسجم مع صورة الأب من حيث الشجاعة في قول الحقيقة. وهذه صورة تغاير تماما صورة الطفل "الشقي" أو صورة الأب المرتبطة بالقوة والسيطرة.

الديمقراطية لا تتجزأ
من أجل أن يكون أدب الأطفال رائداً لا تابعاّ في تغيير الصور النمطية السائدة، علينا ككتاب وكاتبات، رسامين ورسامات، أن نغوص في وعينا، ونسأل أنفسنا عن ممارسة هذا الوعي في الكتابة للأطفال خاصة النظرة للمرأة، وهل نقدم نماذج للتشارك في العلاقة بين الرجل والمرأة، أم أننا نقع في فخ تقسيم الأدوار حسب النموذج السائد، لكن بصورة معدلة؟ هل نقولب المرأة في دور وحيد؟ المرأة لها العمل المنزلي، وتربية الأطفال، وإن تمكنت من اختراق جدران المنزل لسوق العمل، فالمهنة تتناسب مع دورها المنزلي أوالمهنة لها علاقة بهذا الدور. وبالمقابل، الرجل يختار المهنة التي تتناسب مع "رجولته" حسب الفهم الاجتماعي. فهو مقبول كسياسي، ومقبول كفاعل في العمل المجتمعي، ومقبول ككاتب أو كرسام، أو كرائد فضاء، ولكن ليس كشريك في تربية الأطفال، أو في عمل المنزل. وربما تكمن عظمة جونيلا بيرجسترم، في أنها خلقت شخصية الفونس أو برهان كما ترجمته دار المنى إلى العربية، وجعلته يعيش مع أبيه دون أمه. وفي القصص التي اطلعت عليها، لم أجد إشارةً إلى الأم، ما يجعل تعليم برهان وتثقيفه وتوفير حاجاته الأساسية مسؤولية أبيه. ربما يكون مثل هذا الوضع صدمة لنا للوهلة الأولى باعتبار أننا لم نتعود على دور مثل هذا للرجل، بخاصة أنه غالباً ما يرتبط هذا الدور بالمرأة. ولكن علينا أن نسأل أنفسنا، هل نقدم نماذج تكسر الصور النمطية أم ترسخها؟ علينا ككتاب وكاتبات مسؤولية التحرر من قيد النمطية. 
نحن نطالب بالديمقراطية، فكم من الصور والنصوص تعبر عن مواقف ديمقراطية؟ كم من الصور بينت المرأة في موقع مساوٍ للرجل كان ذلك على صعيد الأسرة أو في العمل، أو في الحياة المجتمعية؟ الديمقراطية تتجسد بالعلاقات، فكيف نترجم علاقة أعضاء الأسرة بعضهم ببعض بحيث نكرس فهماً ديمقراطياً للتربية؟ هل القرارات تشاركية مع باقي أفراد الأسرة، أم هي تعبير عن سلطة الفرد؟ هل تأخذ الأم دوراً آخر غير الخدمة في المنزل وتحقيق رفاه الآخرين؟ أم أننا سنظل نصور علاقة الرجل بالمرأة ضمن مقولة "هو يقرأ، هي تطبخ"؟ نحن نفهم الاختلاف بين الرجل والمرأة من حيث الجنس، لكن هذا الاختلاف يجب أن لا يكون سبباً للتمييز في المجالات المجتمعية، وفي مجالات العمل، ويجب عدم تكريس هذا التمييز في أدب الأطفال، وبشكل خاص في المرحلة العمرية المبكرة. 
النمطية نظرة اجتماعية متكاملة، فلا يمكن أن نتفادى الصورة النمطية للمرأة في الأدب، إذا لم يكن لدينا توجه ديمقراطي. وإذا لم نكن نؤمن إيماناً راسخاً بعدم التمييز على أساس الجنس واللون والعرق، الخ. ومن هنا، حتى لو درسنا وثيقة حقوق الإنسان، واتفاقية حقوق الطفل واتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد النساء، دون ايمان أو قناعة، فلن نتناول مسألة الطفلة الفتاة دون أن نقع في اشكاليات النمطية. 
طبعاً، الإيمان بالمساواة وتكافؤ الفرص لا يكفي وحده من أجل أدب طفل جيد، ولكن لأغراض هذه الورقة، تم عزل العوامل الأخرى الضرورية لإنتاج أدب أطفال نوعي.

(1) صفاء عمير، أنا لست شقياً، مركز المصادر للطفولة المبكرة، القدس، 1998. 
(2) أستريد ليندغرين، جنان ذات الجورب الطويل، ترجمة منى زريقات هنينغ، دار المنى، ستوكهولم، 1991.
(3) جونيلا بيرجسترم، هل أنت جبان يا برهان؟ ترجمة منى زريقات هنينغ، دار المنى، ستوكهولم، 1994.
(4) قمت باستخدام هذه القصة في عملي مع الأطفال من أجل حل الخلافات بطريقة سلمية خاصة حين يتعلق الأمر بتسلط الذكور على الإناث. وقد ذكرت في مقالتي حول شهادتي عن الحصار كيف استخدمت الطفلة رهف، ذات السنين السبع، هذه القصة لتعالج مشكلتها مع نديم الطفل الذي كان يضايقها ويضرب أختها. لمزيد من التفاصيل، يرجى مراجعة مجلة شعراء، ع 20ـ21، رام الله

 

 

8.   أدب الأطفال الأردني.. خطوات واثقة.. وأمل واعد.

بقلم: محمود أبو فروة الرجبي أ

مصطلح أدب الأطفال: لن ندخل في تفاصيل تعريف مصطلح أدب الأطفال، والتفريق بينه وبين ثقافة الطفل التي تشمل كل الأجناس الأدبية، والفنية، وغيرها في أدب الأطفال، ولكننا سننطلق من المفهوم الأدبي لمصطلح أدب الطفل، الذي تندرج تحته الكتب القصصية والشعرية والمسرحية، إضافة إلى المسرحيات المنفذة على المسرح، والوسائل الحديثة التي تساهم في نشر هذا الأدب، مثل مواقع الإنترنت، والأقراص المدمجة، والبرامج التفاعلية التي تستند إلى السيناريو المستمد من القصة الأدبية. وبذلك نكون قد حاولنا ان نكون وسطا في أخذنا لمفهوم أدب الطفل، وثقافة الطفل، ولا نكون قد أغفلنا الحقائق التي بدأت تترسخ على أرض الواقع. نظرة تاريخية: بدأ أدب الأطفال الأردني كأدب منظم يشكل كما ونوعا يمكن الإشارة إليه بداية متأخرة عن الأدب في بعض الدول العربية الأخرى، والسبب انه لم تتشكل في الأردن صحافة أطفال – مجلات وملاحق أطفال – الا في وقت متأخر نسبيا. ومع هذه الحقيقة فإن مجموعة من الأدباء، وجلهم ممن كان يكتب للكبار، أصدر بعض الكتب الموجهة للأطفال، إما بدافع انه أصبح جَداً، ومطلوب منه الكتابة لهذه الفئة، أو لأهداف تربوية أو دينية، أو نتيجة استكتاب من بعض الجهات الحكومية أو الخاصة، وان كنا لا نقلل من أهمية هذه الدوافع السامية، الا أننا نعتقد انه ما كان لأدب الأطفال في بلدنا ان يتطور لولا ان قيد الله هؤلاء الأدباء ليطلقوا الشرارة التي اشعلت جذوة الابداع من أيامهم إلى وقتنا الحاضر.

في هذا البحث السريع سنتناول أدب الأطفال الأردني المكتوب منذ بدايات ظهور كتب أطفال وصلتنا معلومات عنها إلى وقتنا الحاضر، وقد وجدت من خلال استقراء آراء النقاد، وما هو متوفر من بيانات حول أدباء الأطفال ونتاجاتهم في المملكة، انه يمكننا تقسيم المدة الزمنية التي مرَّ بها هذا الأدب إلى ثلاث مراحل – مع الاعتراف بوجود تداخل بينها- المرحلة الأولى من البدايات إلى عام 1978، والثانية من عام 1979- 1991م. ثُمَّ نتحدث عن أدب الأطفال الأردني حديثاً بعد عام 1991م وللآن. ويجب ان نعترف ان هناك صعوبة كبيرة في تقسيم أدب الأطفال الأردن إلى مراحل، والسبب هو عدم وجود طفرات ملموسة يمكن البناء عليها في هذا التقسيم، وقد اعتمدنا في ذلك على آراء بعض النقاد الذين تناولوا أدب الأطفال الأردني في مرحلتيه الأولى والثانية، وفي التطورات الاجتماعية التي شهدتها المملكة منذ عام 1991م بعيد حرب الخليج، والتي أدت إلى طفرة في عدد سكان المملكة، نتيجة رجوع عدد كبير من المغتربين الأردنيين، وكان من بينهم عدد من الكتاب والأدباء، إضافة إلى قدوم بعض أدباء وكتاب الأطفال العرب وإقامتهم في الأردن، مما أدى إلى حصول تفاعل كبير بين تجارب مختلفة، أدت إلى نوع من التحسن النوعي والكمية في نتاج أدب الأطفال الأردني. المرحلة الأولى: بدايات تأسيس المملكة حتى 1977م المرحلة الأولى التي امتدت من بدايات تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية إلى عام 1978، مع طول هذه الفترة، واعتقادي الشخصي ان الكتب التي حاولت ان تحصر النتاجات الموجهة للطفل في هذه الفترة لم تتمكن من الاحاطة بكل ما صدر من كتب، الا ان ما هو متاح لدينا يعطينا صورة قريبة جداً من الواقع بإذن الله. في هذه الفترة، ظهرت تجارب شخصية متناثرة، وظهرت كتب لمجموعة من الكتاب والأدباء، نذكر منهم: الشيخ إبراهيم القطان، محمد العناني، جهاد حتر، روكس العزيزي، راضي عبد الهادي، عيسى الناعوري، الشيخ يوسف العظم، واصف الفاخوري، وغيرهم. وبالرجوع إلى الكتب التي تناولت أدب الأطفال الأردني نجد ان من اقدم ما كتب للأطفال في الأردن، وتم توثيقه :

روكس العزيزي أصدر كتابه الأول للأطفال 1935م، راضي عبد الهادي 1945م، فايز الغول 1965م، عيسى الناعوري 1963م. وبعد ذلك بفترة ليست طويلة، ظهرت كتب المرحوم فايز علي الغول، الذي كان له جهود كبيرة في تجميع الحكايات الشعبية وإعادة صياغتها بما يتوافق مع روح ذلك العصر، بدأ الأستاذ الغول هذه السلسلة باصدار كتاب الدنيا حكايات ثلاثة أجزاء، ثُمَّ من أساطير بلادي، ومن سواليف السلف، وكلها كتب ضخمة نسبيا تزيد عدد صفحاتها عن المائتي صفحة، وقد شكل إصدار هذه القصص خدمة للتراث ونقل منظم لها لتصبح بين أيدي الناس. ومع جهود الكتاب الرواد، إضافة إلى جهد الأستاذ الغول في مجال الحكايات الشعبية، لا يسعنا في هذا المقام الا مباركة هذه الجهود الطليعية التي تؤكد ولادة الوعي لأهمية أدب الأطفال، وان كانت تجارب غضة لا ترقى في مستواها الفني إلى الحد الأدني المطلوب في بعض الأحيان، وعلى كل يمكننا ان نضع مجموعة من خصائص أدب الأطفال الأردني في تلك الفترة، على الشكل الآتي: أولاً: تباعد إصدار الكتب، وفي معظم السنوات لم يكن يصدر أكثر من كتاب واحد في السنة، وفي سنوات أخرى لم يصدر أي كتاب. ثانياً: بعض الكتاب دخلوا مجال إصدار كتب الأطفال اصدروا كتاباً واحدا ثُمَّ توقفوا عن النشر، وحتى الذين أصدروا عدداً من الكتب، ما لبثوا ان توقفوا بعد مدة قصيرة من الزمن، ويبدو ان هناك ظروفا معينة أدت إلى توفر فرصة للنشر لمثل هؤلاء الكتاب في فترة زمنية، لكنها توقفت بعد ذلك. ثالثاً : معظم هذه الكتابات لم تخرج عن إطار التجريب، وغلب عليها طابع الوعظ والارشاد، وغلبة القيم التربوية على حساب القيمة الفنية، بل ان بعض الكتب تغيب عنها بشكل كامل فنيات القصة أو الشعر، وربما كان الحماس الشديد النابع من شعور الكاتب انه صاحب رسالة، يجب ان يوصلها للأطفال بشكل سريع وحاسم، وان أمته معرضة لمخاطر داخلية وخارجية، وانه يجب ان نستعمل الأدب في مجال التعبئة من أجل إنقاذ الأوطان والعباد، أدت إلى هذه النتيجة. رابعاً : غياب دور نشر متخصصة عن الساحة، وعدم وجود مجلة أطفال ترسي قواعد لهذا الأدب مثل الدول العربية الأخرى، التي استطاعت في فترات متباينة ان تتبنى عدداً من الكتاب والمبدعين، الذين واصلوا العمل في إيجاد أدب أطفال حقيقي. خامساً: جميع.. نكرر جميع الكتب التي صدرت في هذه الفترة، لم يصدر منها طبعة ثانية، مما اضاع الفرصة على الأجيال التي اتت بعدهم لمعرفة ماذا أنتج آباءهم واجدادهم الكتاب والأدباء، وربما كان هذا ناتجا عن عدم القدرة على توزيع الكتاب الذي لم يكن يصدر أكثر من ألف نسخة في احسن الأحوال، وعدم وجود عدد كاف من المكتبات العامة التي يمكن ان تستوعب عدداً من النسخ. سادساً: كل من كتب للأطفال في هذه المرحلة كانوا بالأصل كتاب أدب راشدين توجهوا في فترات معينة، ونتيجة لظروف خاصة للكتابة للأطفال.

المرحلة الثانية 1977- 1991م بعض النقاد يعتبر ان البداية الحقيقية لأدب الأطفال الأردني، كانت في عام 1977م، إذ تظافرت خلال ذلك العام وما بعده مجموعة من العوامل التي أعطت دفعة قوية لأدب الأطفال مثل؛ عام الطفل الدولي، دخول الجمعية الملكية الأردنية عالم النشر للأطفال في مجال الكتب العلمية، إصدار مجلة سامر الشهرية للأطفال، ظهور إحدى رائدات أدب الأطفال الأردني روضة الهدهد التي استطاعت ان تنشر عدداً من كتبها بشكل جميل، وبطريقة توزيع جيدة نسبيا. في عام 1979م وهي سنة الطفل الدولية، هذه السنة شكلت التفاتة مهمة إلى أدب الأطفال، فقد فتحت المجلات الرسمية التي تصدر عن وزارة الثقافة المجال لنشر الكتابات الموجهة للأطفال بهذه المناسبة، مما لفت نظر عدد من الكتاب والأدباء والمهتمين إلى هذا الأدب الناشيئ. ويمكن النظر إلى تجربة روضة الهدهد كتجربة تستحق النظر، إذ انها ربما كانت أول كاتبة أطفال في الأردن تدخل عالم نشر الكتب بشكل سنوي متواصل، إذ استطاعت ان تقدم كتبا بهذه الطريقة لفترة طويلة، وكان هذا أمر نادر الحصول في الأردن، إضافة إلى تواصلها الدائم مع قرائها عن طريق ملحق الأطفال النشط في صحيفة الدستور اليومية، هذا الملحق الذي تميز باستقطابه لعدد من الأطفال الموهوبين في مجال الكتابة، بعضهم أصبح من كتاب الأطفال المعروفين فيما بعد. تتميز كتابات روضة الهدهد بالتأريخ للبطولات الوطنية والدينية، خاصة في فلسطين، مما أعطى كتبها قبولا كبيراً في أوساط الناس الذين وجدوا فيه فرصة لتعليم أطفالهم وتثقيفهم وطنيا ودينيا. في الفترة نفسها التي ظهرت فيها روضة الهدهد، بدأت تغريد النجار مشوارها في نشر كتبها القصصية التي أخذت منحنى طفولي بحت، والمتتبع لمسيرة هذه الكاتبة وكتبها يجد انها تشكل بحق أدب أطفال راق، وتتميز بطباعة فاخرة ملونة قريبة من نفسيات الأطفال. وعلى الجانب الآخر، بدأت مجلة سامر التي صدرت عام 1977م، ويمكن الإشارة إلى أحد ابطالها، ونقول كلمة بطل، لأننا امام إنسان مجاهد بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهو أحد الذين حملوا لواء أدب الأطفال بجد واخلاص، نحن نتحدث عن المرحوم أحمد أبو عرقوب الذي قدم من خلال هذه المجلة عدداً من القصص التي ظهرت فيها علامات النضوج والبلوغ الأدبي بشكل مبكر. هذه الأسماء الثلاثة التي ظهرت في هذا الوقت، إلى جانب أسماء أخرى، ظهرت في الفترة نفسها، أو في السنوات التالية، ساهمت في نقل أدب الأطفال الأردني إلى مرحلة جديدة، ومن هذه الأسماء التي تنشر لأول مرة، أو انها واصلت مشوارها في إنتاج قصص ومسرحيات وشعر الأطفال، ونذكر منهم : زهير كحالة، يوسف العظم، عيسى الجراجرة، د. شحادة الناطور، فخري قعوار، د. كمال رشيد، شهلا الكيالي، أحمد جبر، يوسف حمدان، علي البتيري، اكرم أبو الراغب، حسن ناجي، محمد بسام ملص، أمل منصور، محمد الظاهر، أحمد كواملة، هاشم غرايبة, رندا الشاعر، د. عماد زكي، منير الهور، عطية محمد عطية. وفي مجال المسرح، نذكر كاتبا استطاع ان ينتظم في إصدار الكتب المسرحية، وان يثري الساحة الأدبية الأردنية بأكثر من عشرين كتاباً ما بين عامي 1983-1990م، وهو الأستاذ زهير كحالة. وقد تميز أدب الأطفال الأردني في هذه الفترة بعدة أمور منها: أولاً: زيادة الوعي لدى الكتاب والأدباء والناس بشكل عام لأدب الأطفال، وقد أدى هذا إلى دخول عدد كبير من الأدباء في مجال الكتابة للأطفال، وللأسف فإن الغالبية العظمى منهم لم تتخصص في كتابتها للأطفال، بل كانت تمارس هذا النشاط جنبا إلى جنب مع كتابتها الموجهة للراشدين.

ثانياً: شهدت هذه المرحلة توجه عدد غير قليل من النساء للكتابة للأطفال، وقد اسهم هذا في اثراء تجربة أدب الأطفال. ثالثاً: زيادة اهتمام دور النشر باصدار كتب أطفال، وان لم يصل هذا الاهتمام إلى تشكيل ظاهرة معقولة، ولكنه كان عملا ايجابيا. رابعاً : مع كل ذلك، فإن معظم الكتاب والأدباء قاموا في هذه المرحلة بطباعة كتبهم الأدبية الموجهة للأطفال على حسابهم الخاص، مدفوعين بالحماس الشديد لهذا الأدب. المرحلة الثالثة: 1991م حتى الوقت الحالي في هذه المرحلة، حصلت نقلة إيجابية في إنتاج أدب الأطفال الأردني، إذ واصل في هذه المرحلة عدد من الكتاب نشر ابداعاتهم في الصحف والمجلات والكتب، وكذلك شهدنا توجه عدد من الأدباء للنشر في مجلات عربية واسعة الانتشار، ومن هؤلاء الذين بدأوا أو واصلوا النشر في هذه الفترة: علي البتيري، شهلا الكيالي، يوسف الغزو، روضة الهدهد، د.محمود الشلبي، عيسى الجراجرة، محمد جمال عمرو، محمود أبو فروة الرجبي، نادية العالول، صباح المدني، جهاد الرجبي، تغريد النجار، عبير الطاهر، أحمد النعيمي، سها العزة، اميمة الناصر وغيرهم. رغم عدم تحقيق تطور كبير في عملية نشر أدب الأطفال بشكل يرضي الأدباء، الا ان أدب الأطفال الأردني بدأ يسير بخطوات مدروسة وواثقة في هذه الفترة، التي شهدت أيضاً لأول مرة دخول مجموعة من الشباب للكتابة في هذا المجال، بعد ان كانت شبه محصورة في السابق في صفوف الكتاب كبار السن، وهذا من شأنه ان يثري التجربة، ويعطيها بُعدا أكثر احترافية. ليس هذا فقط، بل الملاحظ على الساحة الأردنية وجود بعض الكتاب الذين بدأوا يشقون طريقهم منذ الصغر، بل ويقتحمون طرق النشر مبكرا جداً، فهناك على سبيل المثال لا الحصر: محمود عادل كامل الذي أصبح ينشر ككاتب محترف في مجلة ماجد الظبيانية واسعة الانتشار وعمره لا يتجاز الخمسة عشر ربيعا، وهناك سماح العطار وهي طفلة نشرت كتابها القصصي الأول، وهي في الصف الثالث الأساسي، وسلام الزواهرة في الصف السادس الأساسي، وزهرة محمود في الصف الأول ثانوي، وغيرهم من الأطفال. هذا عدا عن انه من خلال ملاحظة اعداد وأسماء المشاركين في المسابقات الأدبية الموجهة للأطفال التي تقيمها مؤسسة عبد الحميد شومان، ووزارة التربية والتعليم، وجمعية أصدقاء الأطفال، فإن هناك في الأردن ما يقرب من ألف طفل يكتبون، أو يحاولون الكتابة منذ صغرهم، ونحن حينما نتحدث عن ألف طفل، نقصد أولئك الذين يحاولون إظهار أنفسهم من خلال المنابر المتاحة، أو المسابقات المتوفرة لهم. والدولة التي تضم في فترة قصيرة ألف طفل كاتب يحاولون التعبير عن أنفسهم بهمة ونشاط، هي دولة فتية نشطة، ستثمر ارضها الطبية في المستقبل أدبا راقيا يشق طريقه بثقة وثبات، ليصل إلى المأمول منه بإذن الله. فلو احترف عدد قليل من ذلك العدد، فإننا سنكون بلا شك امام أدب أطفال متميز، يبدأ فيه ادباؤه الاحتراف في سن مبكرة، وهذا بحد ذاته من شأنه ان يطور الأدب بشكل كبير. على كل يمكننا ذكر بعض الخصائص التي تميز بها أدب الأطفال في هذه المرحلة: أولاً: توجه الكتاب والأدباء الأردنيون إلى النشر خارج حدود الوطن، في المجلات العربية واسعة الانتشار، أو من خلال دور النشر المختلفة. ثانياً: دخول العنصر الشبابي بشكل كبير في العملية الابداعية. ثالثاً : دخول الأطفال أنفسهم بشكل فاعل في مجال الكتابة. رابعاً : ما زال أدب الأطفال الأردني يحافظ على قيمه التربوية، مع تاثره بالآداب العالمية دون ان يفقد هويته. خامساً: ما زال هناك مشكلة في النشر، وان كانت هناك برامج فاعلة لدعم النشر تقوم بها وزارة الثقافة، وأمانة عمَّان الكبرى. سادساً: بدأنا نلحظ ترسخ التخصص في الكتابة الأدبية للأطفال عند عدد جيد من الكتاب الأردنيين. الأدباء الأردنيون يحصلون على جوائز عربية في أدب الأطفال : منذ سنوات طويلة تمكن عدد من الكتاب والأدباء الأردنيين الحصول على عدد من الجوائز في مجال أدب الأطفال على مستوى الوطن العربي، وخلال الثلاث سنوات الأخيرة استطاع عدد من الكتاب الأردنيين الحصول على جوائز عربية في مجال أدب الأطفال، ونذكر منهم: محمود أبو فروة الرجبي – الجائزة الأولى مسابقة الشيخة فاطمة بنت هزاع آل نهيان لأدب الطفل العربي عام 2000م، محمد جمال عمرو – الجائزة الثالثة في المسابقة نفسها عام 2001م وقد استطاعت إحدى الكاتبات الاردنيات الشابات، الحصول على إحدى جوائز مسابقات الشارقة للابداع في عام 2002م. وغيرها من الجوائز. وسائل أخرى غير الكتاب تساهم في تقديم أدب الطفل: بعد الحديث عن المراحل التاريخية التي مرَّ بها أدب الأطفال الأردني، لا بُدَّ لنا ان نتحدث عن وسائل تقديم أدب الأطفال من مجلات وملاحق أطفال، وأقراص مدمجة وإنترنت، ومسرح، وإذاعة. مجلات الأطفال في الأردن: نشأ في الأردن عدد كبير من مجلات الأطفال، لكن ما زال مستمرا منها مجلة براعم عمَّان التي تصدر عن أمانة عمَّان الكبرى، حاتم التي تصدر عن أكبر صحيفة يومية أردنية الرأي، وسام التي تصدر عن وزراة الثقافة. أي أننا امام ثلاث مجلات أطفال شهرية تصدر في العام ما يقرب من ستة وثلاثين عدداً، وسنركز في بحثنا هذا على مجلتي وسام وبراعم عمَّان، والسبب ان المجلة الثالثة حاتم، لا تقدم ما يمكن تسميته أدب أطفال إذ انها تركز على المعلومات، وكأنها كتاب في مجلة. ويمكن القول ان هاتين المجلتين، تقومان ومنذ وقت ليس بالقصير بالتأسيس لأدب أطفال أردني حديث، إضافة إلى ملاحق الأطفال في الصحف اليومية الأردنية. من المجلات التي صدرت في الأردن ثُمَّ توقفت عن الصدور: سامر، عبود، فكرة، لونا، الكرتون العربي، ويمكن القول ان لونا التي صدرت في البداية أسبوعية، ثُمَّ تحولت شهرية، وما لبثت ان توقفت عن الصدور شكلت نقلة وطفرة في مجلات الأطفال في الأردن، واستطاعت ان تحقق في فترة قصيرة انتشارا هائلا بين الأطفال، وكذلك تمكنت من إيجاد عدد من الشخصيات الكرتونية، ولكن.. لسبب لا نعرفه.. توقفت فجأة.. ومن العلامات البارزة التي لم تستمر طويلاً.. صحيفة الكاتب الصغير التي افردت صفحات كاملة فيها للكتاب من الأطفال أنفسهم، ورغم نجاح هذه الصحيفة الا انها توقفت بعد ثلاث أو أربع اعداد، وربما كان السبب هجرة صاحبها. ولا بُدَّ ان نشير إلى ان ظاهرة إصدار مجلات الأطفال ثُمَّ توقفها ليس حكرا على الأردن، فهذه ظاهرة تشمل الوطن العربي كله، وربما ان السبب الأول لفشلها عدم قدرة السوق على تحمل مثل هذه المجلات، إضافة إلى ارتفاع تكاليف إنتاجها، وعدم قدرتها على أخذ أي حصة من سوق الإعلان العربي. صحافة الأطفال في الأردن : ساهمت صحافة الأطفال في رفد مسيرة أدب الأطفال في الأردن، وقد استطاعت الملاحق الأدبية التي تصدر عن الصحف اليومية ان تسد النقص الذي حصل في بعض الفترات التي شهدت غيابا شبه كامل من مجلات الأطفال. وقد مرت فترة ليست بالقصيرة كنا نشاهد نماذج رائعة من الأدب الأردني بمختلف أشكاله تنشر في الملاحق الأدبية، التي قامت بدورها بشكل شبه كامل، وما زالت تقوم بهذا الدور جنبا إلى جنب مع المجلات الثلاث التي ما زالت تصدر، وبإذن الله ستستمر على ذلك. ومن اللافت للنظر اهتمام هذه الملاحق بإفراد مساحات واسعة للأطفال الموهوبين أدبياً لنشر ابداعاتهم، وكل ذلك يسهم على المدى البعيد في إيجاد جيل محترف من الأدباء، وعلى رأسهم أدباء الأطفال. الإذاعة الأردنية وأدب الأطفال: خلال السنوات السابقة وللآن، اعطت الإذاعة الأردنية مساحة واسعة لمشاركة الأطفال الأدبية، من خلال عدد من البرنامج التي ترعى الأطفال ومواهبم , إضافة إلى قيام الإذاعة بتقديم عدد من مسلسلات الأطفال المستمدة من أدب الأطفال الأردني، ولعل التجربة التي تم فيها تقديم عدد من حكايات الأطفال الأردنية بمناسبة إعلان عمَّان عاصمة للثقافة العربية عام 2002م خير مثال على ذلك. ومن البرامج التي كانت تعطي فرصة للأطفال لاظهار مواهبهم الأدبية، برنامج دنيا الأطفال الذي كانت تعده وتقدمه ماما هدية..، وقد استمر هذا البرنامج لأكثر من ثلاثين سنة، وقد استضاف خلالها مجموعة كبيرة من الأطفال، ومن ضمنهم الأطفال الموهوبين أدبياً، وبعضهم من واصل مسيرته الأدبية وأصبح كاتبا فيما بعد. وهناك برنامج متخصص جداً بثته الإذاعة الأردنية لاربع سنوات متتالية وهو ( الأدباء الصغار ) الذي قام باعداده وتقديمه الكاتب محمود أبو فروة الرجبي، وقدم خلال بثه ما يقرب من مائتي طفل من الأطفال الموهوبين ادبيا خاصة في مجال القصة، وقد كان هذا البرنامج يقدم فن القصة من خلال مشاهد درامية، ولقاءات مع أطفال وكتاب متخصصين. وما زالت مختلف البرامج الإذاعية تقوم بمثل هذا الدور، الذي من شأنه تحفيز الكبار والصغار على ولوج عالم أدب الأطفال الممتع. الأقراص المدمجة ومواقع الإنترنت : أظهرت الساحة الأردنية مثلها مثل باقي الدول العربية توجها نحو إنتاج أدب الأطفال عن طريق الأقراص المدمجة، وقد بدأت هذه المسيرة بتحويل قصص السيرة النبوية إلى قصص أطفال تقدم عن طريق هذه الوسيلة، وقد تم في الفترة الأخيرة عمل بعض التجارب التي أدت إلى إظهار قصص في إطار درامي مدمج بالالعاب، وما زالت التجربة في بدايتها وتحتاج إلى مزيد من الدراسة، ولكنني اعتقد انها خطوة في الاتجاه الصحيح، خاصة إذا عرفنا أن كلفة إنتاج وتسويق الأقراص المدمجة قليلة بالنسبة لانتاج الكتب، وهي تقل مع مرور الزمن، ويمكن ان تشكل عاملا مهما في نشر أدب الطفل في المستقبل. ولم يقف الأمر عند حدود الأقراص المدمجة، بل تعداه إلى مواقع الإنترنت التي تهتم بنشر أدب الأطفال، أو الكتابات التي يبدعها الأطفال أنفسهم، ومن هذه المواقع يمامة دوت نت، وآراب ويب دوت نيت. أما موقع منهاج دوت كوم، فإنه يقوم يإدخال عدد من قصص الأطفال واشعارهم من خلال دروسه المنهجية المقدمة للأطفال، بطريقة تفاعلية يتمكن الطفل من خلالها من اللعب والاستماع إلى القصة أو القصيدة، ثُمَّ قراءتها ومعرفة معاني الكلمات التي فيها. المسرح المدرسي: نقصد بالمسرح المدرسي، المسرح الذي يعرض على طلاب المدارس، سواء أنتج من خلال الجهات الرسمية في وزارة التربية والتعليم أو انتجه القطاع الخاص، وتم عرضه على طلاب المدارس. لا يوجد هناك تتبع كاف للمسرحيات التي تعرض في المدارس، لكن يمكن القول ان هناك حركة مسرحية مدرسية شبه منتظمة في الأردن، وان كانت لم تشهد كما كافيا، أو تطويرا من شأنه الاستمرار. يمكننا الحديث عن بدايات المسرح المدرسي، التي يمكن تتبعها من خلال مجموعة كبيرة من المسرحيات التي انتجت في فترات مختلفة. ومن الأسماء التي ساهمت في انجاح مثل هذا المسرح في مجال التأليف : محمود إسماعيل بدر، منيرة شريح، نديم صوالحة، مارتو ملتجيان، محمد الظاهر، اكرم أبو الراغب، روضة الهدهد وغيرهم. ومشكلة هذا المسرح ان معظمه يبقى محصورا في المدارس، ولا يتم خروح عرضه من هذا الاطار، مع بداية ظهور مسرح العائلة الذي يقصد به ان تكون المسرحية موجهة للعائلة كلها. ولا بُدَّ من التذكير بمؤلفات الأستاذ زهير كحالة، الذي تحدثنا عن إصداره لعدد كبير من كتب المسرحيات في مكان آخر من هذا البحث. الشكل الفني لكتب الأطفال الأردنية: علينا الاعتراف ان معظم كتب الأطفال الأردنية كانت تصدر بالابيض والأسود، والسبب هو صغر حجم السوق الأردنية التي لا يتم فيها تسويق عدد كبير من النسخ، وهذا يعني عدم قدرة الكتاب الملون على تغطية تكاليفه. إضافة إلى ذلك كان حجم الكتاب يتراوح بين ست عشرة صفحة و48 صفحة، وفي بعض الأحيان كان يزيد عن ذلك. لكن ومنذ سنوات قليلة بدأت اعداد الكتب التي تصدر بشكل ملون تزداد، وأخذ شكل الكتاب وإخراجه يصبح أكثر جمالا، مع ازدياد الخبرة الفنية، وظهور عدد من الرسامين الجيدين في هذا الإطار. وقد اتجه بعض الكتاب الأردنيين إلى طباعة كتبهم في بيروت، لما تحمله هذه العاصمة العربية من خبرة في طباعة الكتب وتسويقها، وقد استطاع أكثر من كاتب ان يزيد بهذه الطريقة من حجم سوق كتابه. على كل.. الشكل الفني لكتب الأطفال في الأردن في تحسن دائم، والمستقبل يحمل وعداً أجمل بإذن الله. أدب ما قبل المدرسة: علينا الاعتراف أولاً ان الأدب الموجه لأطفال ما قبل المدرسة لم يجد للآن العناية اللازمة، والنشر الكافي في الأردن، مثله مثل باقي الدول العربية الأخرى، وربما كان هذا عائدا إلى الكلفة العالية جداً لانتاج كتب موجهة لهذه الفئة، وحداثة دخول هذا الأدب النسبية إلى بلادنا. والطريف في الأمر ان الدراسات والأبحاث التي تتناول هذا الأدب في الوطن العربي، أكثر من الكتب المنشورة فيه. هناك بعض الكتب التي صدرت لأطفال ما قبل المدرسة في الاردن، ولا ننسى الجهد الذي بدأته الرابطة الوطنية لتربية وتعليم الأطفال التابعة لمؤسسة نور الحسين، إذ انها قامت باصدار ما يقرب من أربع أو خمس كتب في هذا المجال. ويمكن القول ان كتب السيدة تغريد النجار ربما كانت الاقرب إلى أدب أطفال ما قبل المدرسة في بعض جوانبها، ومع ذلك لا يمكن ان ندعي ذلك مائة بالمائة. ومع ذلك فإن هناك اهتماما يتزايد يوماً بعد يوم من الكتاب الأردنيين للكتابة في هذا المجال، لكن يبقى النشر هو العائق الأكبر امام تطور واتساع مثل هذا الأدب. ولعل هذه المشكلة أكبر من حجم أي دولة عربية، وهو يحتاج إلى تظافر الجهود العربية، وإيجاد دار نشر على مستوى قومي تقوم بمثل هذا العمل. أطفال ما قبل المدرسة بحاجة إلى من يعطيهم أكثر في المجال الأدبي، ولعل الجهود المتناثرة هنا وهناك تعطي ثمارها في هذا المجال، خلال سنوات قليلة قادمة بإذن الله. مهرجان أغنية الطفل: من العلامات البارزة التي ميزت وما زالت تميز الأردن في السنوات الأخيرة هو تبنيه لمهرجان نادر في الوطن العربي، وهو مهرجان أغنية الطفل. استطاع هذا المهرجان ان يترك بصمته في الحياة الغنائية العربية الموجهة للطفل، وهو يقام على مستوى الوطن العربي كله، ومن خلاله تعرفنا على عدد جيد من شعراء الأطفال الأردنيين والعرب. وما زال هذا المهرجان يقام بشكل دوري، وهو يتطور عاما بعد عام، وقد تمكن القائمون عليه من توفير كافة المستلزمات التي تعطيه دفعة قوية للامام ليستمر بشكل دائم بإذن الله. تطلعات أدباء الأطفال في الأردن: مع كل ما سبق فإن كتاب وأدباء الأطفال في الأردن متفائلون بالمستقبل، وهم يعملون بجد ونشاط مثلهم مثل كل اخوانهم في الوطن العربي من أجل تطوير عملهم. ويتميز أدباء الأردن عن غيرهم من الكتاب العرب بانهم وفي حالة عدم توفر مجال للنشر، فإنهم يقومون بنشر كتاباتهم بانفسهم، بل ان الجيل الجديد الذي اندفع إلى ساحة أدب الطفل في السنوات الأخيرة، والذي تمكن من نشر كتبه بشكل جميل ومتميز، تمكن بجهوده الخاصة من تسويق هذه الكتب على مستوى الوطن العربي كله، ومثل هذا الحماس الذي يجعل الكاتب يضحي بكل ما يملك من أجل إيصال صوته وأدبه وفنه للآخرين، لا بُدَّ ان يثمر في المستقبل القريب ما هو جميل ومتميز جداً. ومع ذلك يمكننا تلخيص بعض تطلعات أدباء الأطفال الأردنيين التي تتشابه في كثير من جوانبها مع أحلام وأماني اخوانهم الكتاب والأدباء العرب. أولاً: إيجاد دار نشر وطنية تأخذ زمام المبادرة في نشر أدب الأطفال الأردني وتعريف العالم عليه، تمهيداً لتكون هناك دار نشر قومية لأدب الأطفال تعمل على امتداد مساحة الوطن العربي الكبير. ثانياً : ان تزال القيود على توزيع كتاب الأطفال، لينساب بشكل تلقائي بين الدول العربية كلها، دون أية عوائق. ثالثاً: ان تزداد حصة الطفل الأردني بشكل خاص، والعربي بشكل عام من أدب الطفل كما ونوعا، وان تصبح القراءة عادة متأصلة في الطفل، وان يصل هذا الأدب لكل بيت، حتى ينشأ الجيل واعياً مثقفا قادراً على التعامل مع معطيات العصر بكل قدرة وذكاء. رابعاً : ان تنشأ حركة نقدية واعية تكون إحدى الروافع الإيجابية لأدب الطفل، تبحث عن الجيد وتروج له، وتصل إلى ما هو غير جيد لتساعد أصحابه على تطوير أنفسهم. وبعد،،، هذا هو أدب الأطفال الأردني.. أدب واعد يسير بخطى بطيئة ولكنها واثقة ومتقدمة إلى الامام دوما بإذن الله. وندعو دائماً الأخوة الأدباء والكتاب العرب إلى تضافر الجهود من أجل ان نصنع غداً أفضل لنا ولأطفالنا في عالم متغير لا يعترف للضعيف بوجود.

ويكيبيديا الموسوعة الحرة

 

9.   نبذة عن كامل الكيلاني

 أول رائد عربي لأدب الأطفال في مصر.

من مواليد 20/1/1897 بحي القلعة بالقاهرة؛ حفظ القرآن الكريم في صغره.

حصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية، وفي عام 1929 وجه اهتمامه إلي فن "أدب الأطفال" ودأب على تحقيق الفكرة التي آمن بها وهى إنشاء مكتبة الأطفال.

عمل مدرسا بوزارة المعارف. كما عمل في ميادين عديدة منها التدريس والترجمة ثم عمل موظفا بوزارة الأوقاف حيث كان يتولى تصحيح الأساليب اللغوية ثم عمل محررا بجريدة الرجاء ورأس في نفس الوقت نادى التمثيل الحديث.

وكان الكيلاني يرى أن حوار قصص الأطفال يجب ان يكون بالفصحى واستخدم مصادر قصصه من الأساطير والأدب العالمي والأدب الشعبي

ترجمت قصصه إلي اللغات "الصينية والروسية والأسبانية والإنجليزية والفرنسية" وكان كامل الكيلانى حريصا على الجانب الأخلاقي في كتابته للأطفال

وهو أول من خاطب الأطفال عبر الراديو وهو أول مؤسس لمكتبة الأطفال في مصر، وألف 250 قصة للأطفال منها: شهر زاد – جحا – ألف ليلة.

يحسب للكيلانى جهوده في تحقيق نشر الكثير من تراثنا مثل ديوان ابن الرومي ورسالة الغفران وابن زيدون.

من أبرز مؤلفاته الأخرى: الملك النجار – نظرات في تاريخ الإسلام – ملوك الطوائف – مصارع الخلفاء – مصارع الأعيان – ذكريات الأقطار الشقيقة

ومن مترجماته للشباب: حي ابن يقظان – جاليفر –روبنسون كروزو – شمشون الجبار

توفي في 10/10/1959

 

 

10.    السرد القصصي أسلوب فاعل لتنمية خيال الأطفال
آيه الخوالده:

 هناك مفهوم سائد لكنه خاطئ حول أن تنمية حب القراءة عند الأطفال وربطهم بالكتاب هي مهمة المدرسة وحدها, ويجب الانتظار إلى حين وصول الطفل سن السادسة ودخوله المدرسة ومعرفته للحروف, ومن ثم يتعلم القراءة ثم يرتبط بالكتاب.تشير الأبحاث والدراسات إلى أن القراءة للأطفال في سن مبكرة تبدأ من ستة أشهر بشكل مفيد وفعال, وان الطريقة التي تقرأ بها لأطفالك هي أهم عامل مؤثر على ربطهم بالكتاب; فهي أكثر أهمية من الكم الذي تقرؤه لهم, فمن المهم أن تشجع طفلك على المشاركة في على القراءة, وإلا فإن استفادته من القراءة ستكون محدودة وستكون شبه منعدمة إذا كان مستمعا ساكنا.

و حول اهمية القراءة للطفل و تأثير السرد القصصي على حب الاطفال للمطالعة تقول تغريد النجار, كاتبة قصص الاطفال: ان تنمية حب القراءة تبدأ مع الطفل منذ ميلاده حتى أن بعض الخبراء ينصحون بالقراءة للطفل وهو في رحم أمه, وطبعاً اختيار الكتاب المناسب للمرحلة العمرية ضروري جدا فالكتاب للأطفال أقل من سنتين يركز على صور واضحة لأشياء من المحيط. ويجب أن يكون حجم الكتاب صغيرا حتى يستطيع الطفل أن يمسكه, ومن الضروري أن يكون الكتاب من كرتون مقوى حتى يتحمل استكشاف الأصابع الصغيرة, فالطفل أقل من سنتين يحب أن يلمس الكتاب ويتحسسه وأحياناً يتذوقه ومع الزمن ومع تزايد فترة تركيزه يقضي الطفل وقتاً أطول بالتفاعل مع صور وأحداث الكتاب ويتعلم احترام الكتاب وذلك بتقليد والديه..

وعندما يجلس الطفل في الحضن للاستماع إلى قصة يشعر بالأمان والمحبة والاطمئنان ويتفاعل مع والديه ويزداد قرباً منهم. وقراءة القصة للطفل يجب أن لا تقتصر على الأبوين فعلينا أن نشجع الأخ أو الأخت الأكبر على قراءة القصة للطفل ويمكن للجد أو الجدة أن يهديا كتباً للطفل ويقرآنها له.

بعض الناس في مجتمعنا يظنون أن الكتاب هو للطفل الذي يعرف القراءة فقط وقد قابلت بعضهم في معارض يبتعدون عن اقتناء الكتاب لان طفلهم لا يعرف القراءة بعد فلا يميزون بين مفهوم قصة تقرأ للطفل و قصة يقرأها الطفل, والقراءة للطفل أحياناً تستمر بعد أن يتعلم الطفل القراءة يظل يطلبها الطفل طمعاً في الحصول على جرعة من اهتمام ومحبة والديه.

والقراءة للطفل كعادة يومية جديدة على مجتمعنا و يجب ان نعممها عن طريق حملات إعلامية تثقيفية. ومن المهم جداً أن لا تصبح هذه العادة هماً يشعر الآباء بحاجة الانتهاء منه بأسرع وقت لان الطفل حساس جدا و يشعر بضجر الأهل وعدم تركيزهم وينعكس هذا على اهتمامه بالكتاب مستقبلا, لذا من المهم اختيار القصص التي تمتع الطفل و الاهل معا واختيار الوقت المناسب للطرفين, فلا يكون الأب منهكا من العمل ويفكر في مشاكله الشخصية. أو تكون الأم مستعجلة لقضاء حاجاتها.

إن القراءة وسيلة مهمة لتنمية خيال الطفل وتعزيز العادات الحميدة عنده وللاجابة على تساؤلاته وطمئنة مخاوفه, فمثلا إذا كان الطفل يخاف من الظلام, تختار الوالدة قصة تعالج هذا الموضوع فيرتاح الطفل وذلك بإسقاط مخاوفه على بطل القصة والقراءة تشجع الطفل على التفكير المنطقي ومن المعروف علمياً أن الطفل القارىء يتفوق في دراسته أكثر من الطفل الذي لا يقرأ.

ومن الوسائل التي تشجع الطفل على القراءة والكتاب ايضا هي اشراكه في مكتبة عامة و جعل زيارة المكتبة للاستعارة أو الاشتراك بنشاطاتها جزءاً من حياته اليومية, للأسف بعض العائلات تحرص على اصطحاب أطفالها إلى الملاهي أكثر من المكتبات العامة. تأسيس مكتبة خاصة للطفل ممكن لأخوته من بعده الاستفادة منها فالكتاب لا يضيع ثمنه لأنه يبقى لأجيال وأجيال

والطفل عكس الكبار يحب أن يقرأ نفس القصة مرارا و تكرارا, حتى انه أحيانا يحفظها عن ظهر قلب وهذه هي المرحلة الأولى من القراءة الفردية. من المهم أيضا أن يكون الوالدين قدوة للطفل وذلك بتخصيص بعض الوقت للقراءة اليومية بعيداً عن صخب التلفزيون, من الضروري أن يطالب الأهل المدرسة الاهتمام بالقراءة الخارجية ويشجعوا ويدعموا معارض الكتب التي تقام فيها.

ويشير اخصائي علم النفس الى إن قراءة القصص للأطفال تجعلهم يكتشفون العالم من حولهم, والسرد القصصي والقراءة أسلوبان فاعلان لتنمية الخيال عند الأطفال وجعلهم متمكنين من التعرف على بيئتهم. فالقراء مع الأطفال تنمي رابطة قوية بين الوالدين والأطفال وتعزز تأثير الوالدين على الأبناء.. ذلك التأثير الذي سيؤدي في النهاية إلى تنمية حس عميق ومستمر وحب للتعليم والقراءة.

وقد أوضحت بعض الدراسات أنه كلما كان هناك تبكير في تثقيف وإثراء خبرات الأطفال بالكتب والقصص قبل المرحلة الابتدائية, كان استعدادهم للتعلم والقراءة والكتابة أفضل.

كما علينا تنويع المواد التي يقرؤها الأطفال فيفترض أن يقرأوا قصصًا حقيقية, ومغامرات.. وتاريخ.. وقراءات عاطفية.. فالأطفال لا يعرفون الخيارات حتى توضع بين أيديهم ويتعرفون عليها, عند ذلك يمكنهم الاختيار وتحديد ما يودون قراءته.. وحين تكتشف مثلا أن أبناءك مهتمون بقراءة الموضوعات الضاحكة أو الباسمة فلا تنهرهم; لأن ذلك يعد مرحلة ستؤدي إلى ربطهم بالكتاب ولن تقتصر قراءتهم إلى الأبد على هذا النوع.

** منشور بصحيفة "العرب اليوم" بتاريخ 7 يناير 2008

 

11.     مقابلة الشرق القطرية/ مع تغريد النجار

قام بالمقابلة: زهرأبو قاعود
2/3/2006 

 لماذا اتجهت للكتابة للأطفال..؟ ـ

أجد نفسي عندما أكون مع الأطفال, فأنا أتعاطف مع تلك الفئة من المجتمع إلى حد كبير, وكثيرا ما كان أطفال العائلة الذين كنت أجتمع بهم يلحّون عليّ أن أسرد الحكايات لهم, ولما كانت القصص الموجهة للأطفال في ذلك الوقت محدودة, باستثناء القصص المترجمة التي كانت تملأ اسواقنا المحلية, بالرغم من الفجوة بين احداث وشخوص تلك القصص وبيئتنا العربية, اضطررت لأن أنسج احداث ومغامرات لأرويها للأطفال على شكل حكايات, إلى أن اكتشفت أن موهبة التأليف حاضرة لدي, فلم أبخل بها, وعقدت العزم على انتاج قصص للأطفال. وقد ساعدتني خبرتي في التعليم على اقتناء المفردات العربية التي تصلح للأطفال لجهة سهولة فهمها وتلقيها. فقد عملت مدرّسة لعدة سنوات. •

 هل تعتقدين أن دبلوم التربية وعلم النفس الذي حصلت عليه من الجامعة الأميركية ببيروت جعلك أقدر على مخاطبة نفسية الطفل من خلال قصصك..؟

ـ لا شك أن دراستي ساعدتني في رفد موهبتي بالكثير من الأساليب العلمية, والمهارات الأدبية المختلفة, فالجانب النظري أثرى موهبتي لجهة التطبيق بحرفنة, والقدرة على مخاطبة الأطفال ببراعة. •

هل تجذب قصصك الطفل الذي تفتحت عيونه على الأدوات التكنولوجية مبكرا..؟ ـ

 نعم, فأنا أقيّم منجزاتي الأدبية الموجهة للأطفال باستمرار, ولا أستتر خلف عباءة الخبرة التي حصلت عليها إثر اشتغالي بالحقل الأدبي لمدة 20 ـ 25 عاما, بل أنتقد نفسي بقسوة, وأحاول تطوير ادواتي لتلاءم الأطفال على مختلف بيئاتهم, فثمة تسارع معلوماتي وثقافي يشهده عصرنا الحاضر, يحتم علينا كمثقفين وكتاب أن نكون متأهبين للتغيرات الناتجة عن هذا التسارع, ومواكبين للحداثة.. لذلك انتهجت طريقة التقرب من الأطفال عن طريق زيارة مدارسهم, وسرد منجزاتي عليهم, ذلك أن الطفل لا يكذب ولا يجامل, ويظهر حبه أو استياءه من القصة على نحو صادق وصريح, فأنا أستطيع أن أراقب كيف تدغدغ قصصي خيال الأطفال, وتداعب مشاعرهم الرقيقة. •

 ما هي آخر منجزاتك القصصية..؟ ـ

 أنجزت قصتين هما "أول يوم مدرسة" و"حيواني المفضل" وهما ضمن سلسلتي القصصية الثالثة التي تحمل عنوان "السمكة الذهبية".. وكنت قرأت القصتين للأطفال في مكتبة الحكواتي الواقعة في عمان, وشعرت كم فرح الأطفال بهما. تتحدث قصة "أول يوم مدرسة" عن خوف الأطفال, الذي سيدخلون المدرسة لأول مرة, من ترك امهاتهم والذهاب إلى بيئة مختلفة, إذ يصاب الأطفال بتلك السن بحالة نفسية سيئة تختلف حدتها من طفل لآخر. أما قصة "حيواني المفضل" فتتناول تعلق الأطفال بالحيوانات, حيث جعلت كل طفل في القصة يتكلم عن الحيوان الذي يحب, مدرجا نوع الطعام الذي يتناوله حيوانه المفضل, وذلك بهدف اثراء القصة وجعلها هادفة, وقد تم العرض بروح الفكاهة والنكتة, والإستناد إلى الخيال. في هاتين القصتين استندت إلى طريقة مسلية لجذب الأطفال إلى عالم القراءة, وهي أن نهاية كل قصية تحتوي على صفحة مطوية, تثير خيال الطفل توجه فضوله نحو ما يمكن أن يكون تحت هذه الطوية, التي تفتح وتغلق بطريقة يدوية بسيطة. بالنسبة لقصة "أول يوم مدرسة" كانت تنتظر الأطفال تحت هذه الطوية صورة أم وهي تفتح ذراعيها تريد ضم ابنها الذي عاد إلى البيت. أما قصة "حيواني المفضل" فاحتوت طويتها على حيوان أحد الأطفال المفضل وهو الفيل. •

 أنت تكتبين للأطفال منذ وقت طويل, هل وقعت بمطب التكرار..؟ ـ

أحاول ألا أكرر نفسي, لذلك ألجأ لإنجاز سلاسل قصصية, في كل منها مجموعة مترابطة من القصص. وقد أنجزت لغاية الآن ثلاث سلاسل الأولى بعنوان "أحسن صديق" وتضم 12 قصة, وقد اطلقتها بالإستناد إلى تراثنا وبيئتنا العربية, فكما أخبرتك, كانت القصص المنتشرة سابقا في الأسواق مترجمة, ما استدعى أن تكون ملامحها مستمدة من تراث بلد المنشأ الذي ترجمت منه, فتجدين فتاة شقراء وعيونها زرقاء, وهي صفات نادرة ربما في مجتمعنا العربي, لذلك لم يشعر الطفل بالألفة مع تلك القصص, ففضلت أن تكون سلسلتي الأولى ناطقة بالمحلية, حتى لا يشعر الأطفال بالغربة. أما سلسلتي القصصية الثانية وعنوانها "الحلزونة" فتضم 9 قصص, وتتحدث عن عائلة تمر بتجارب في كل قصة, وكنت استعنت بالتشكيلية السورية لجينة الأصيل, وهي فنانة عالمية, لترسم افراد العائلة. فيما ضمت سلسلتي الثالثة وعنوانها "السمكة الذهبية" 4 قصص. بالنسبة للتكرار في القصص, أشعر أحيانا بالرغبة في أن أكرر نفسي, كأن أتطرق إلى الفكرة بصور ورؤى وصيغ مختلفة. •

 لا تحتوي عناوين قصصك على عناصر تشويق, كإيراد كلمة غريبة أو تساؤل يجذب الأطفال, هل توافقينني الرأي..؟ ـ

 الحقيقة أن قصصي موجهة للأطفال في الخامسة من العمر, لذلك لا أستطيع أن أختار عناوين مبهمة أو عصية الفهم عليهم. عندي قصة بعنوان "في صفنا ضفدع" وهو مشوق, فالضفدع ليس مكانه في الصف, بل بالقرب من البحيرات والمستنقعات. كما أن احدى قصصي وهي موجهة للأطفال في السابعة والثامنة والتاسعة من العمر بعنوان "ليس بعد", والعنوان يحمل الأطفال على التساؤل ما هو الذي ليس بعد..؟! وفحوى القصة أن أم تسأل ابنتها هل أنهيت واجباتك المدرسية..؟ فتجيبها الطفلة ليس بعد..! قصة أخرى تحمل عنوان "إنني أستطيع", ما يدفع الطفل للتساؤل أستطيع ماذا..؟, وهذا العنوان يحث الأطفال على التفكير, كما أن عنوان قصتي "لا تقلق يا بابا", يستفز الطفل للتساؤل.. من ماذا..؟ ربما بعض قصصي لا تحمل عنوانين مشوقة, لكنني محكومة بالفئة العمرية التي أكتب إليها. •

عرضت احدى قصصك وهي "الغول" على شاشة التلفزيون ضمن برامج الرسوم الكارتونية, ما رأيك بالأفلام الكارتونية التي يشاهدها الأطفال عموما..؟ ـ

 بالمجمل, تمتاز الأفلام الكارتونية بالعنف والضجيج, وتحمل الطفل على الضجر وعدم التركيز, ففيها نسبة عالية من الضوضاء. بالنسبة لقصة "الغول" المندرجة ضمن سلسلة "أحسن صديق", فقد حوّلت إلى فيلم كارتوني للأطفال بطلب من الشركة العالمية التي تنتج المسلسل الشهير "افتح يا سمسم". وقصة "الغول" مستندة إلى حكاية الشاطر حسن الذي يخاف من الغول, إلى أن يتجرأ حسن ويواجه الغول, ليفاجىء بأن الغول هو الذي يخاف منه. فحسن الذي يخاف من الكائن الذي له عين واحدة وشعر غريب (الغول), اكتشف أن الأخير يخاف من حسن الذي يمتلك عينان وأنف وفم, وهذا الشكل لا ينتمي إلى بيئة الغول, تماما كما لا ينتمي شكل الغول إلى بيئة حسن. •

 في الوقت الذي يحارب المختصون في علم الطفل المسلسل الكارتوني "البوكيمون" بوصفه يقدم كائنات غريبة عن بيئة الطفل وثقافته, آراك تحيين كائنات غريبة في قصصك الأطفال في غنى عنها..؟ ـ

 هذا موضوع ممتع الحديث فيه. اعتمدت على "الغول" لأنه موجود في ثقافتنا وتراثنا وتاريخنا, هو استخدم في الماضي كأداة لتخويف الأطفال وحثهم على النوم أو الأكل أو الذهاب للمدرسة, فلماذا لا نعيد استخدامه لدرأ مفهوم الخوف عند الأطفال..؟! إن تجسيد الخوف بشخص الغول, والتأكيد على أنه لا يخيف, يحمل الطفل على طرد الخوف من نفسه تجاه كل الكائنات الأخرى كالفأر والصرصور وغيرهما. الغول موجود بخيالنا, فلماذا نبعده, لماذا نخبّأه تحت السجادة أو وراء الباب..؟ •

 أنت تريدين أن تحببي الأطفال بالغول..؟ ـ كلا.. أريد أن أحارب الخوف بشخصية الغول. لماذا تتم مهاجمة من يخرج كائنا غريبا من التراث, ويحوله إلى قصة هادفة خلاّقة, فيما نتقبل الكائنات الغريبة المستوردة من الخارج كالسوبر مان, والبات مان, ودراغون بول Z, والبوكيمون والساحرات وغير ذلك الكثير. ولولا استخدامي للغول بطريقة جيدة, لما طلب تحويلها إلى فيلم كارتوني موجه للأطفال, ولما طلبت العديد من المدارس تقديمها كعرض مسرحي, وأزيدك, أن قصتي "الغول" ترجمت إلى اللغة الصينية. وللمصداقية في المعلومة, فإن بعض المدارس رفضت عرض قصة "الغول" لئلا يخاف الطفل.. وهذا خطأ, لماذا نجعل الغول ينقرض..؟‍

• هل فكرت بإدراج البومات مع القصص, على أن تكون احداث القصة محكية في هذا الألبوم بصوتك أو بصوت فنان معين..؟ ـ إنه مشروع قائم, لكنه مكلف. كلمتني فتاة ضريرة قبل فترة, تطلب مني أن أعرض قصصي على شكل البومات غنائية, حتى يتسنى لفاقدي البصر الإستفادة منها, فأعجبتي الفكرة كثيرا, وأحاول تطبيقها. •

 هل حاولت كتابة قصة مغناة للأطفال..؟ ـ

أنا لست شاعرة بل كاتبة قصة, لكنني حاولت أن أدخل نغمة إلى إحدى قصصي وهي بعنوان "ماذا نلعب الآن..؟‍". وأشير إلى أنني أنجزت مسرحية للأطفال بعنوان "أنا أرنب الأرنوب". •

 تعاملت مع فنانات تشكيليات كثر لرسم شخوص قصصك, هل تتدخلين بعمل الفنانة التي تصمم تلك الرسومات..؟

ـ يجب أن يكون تعاون بين الكاتبة والفنانة, لا أعني بذلك أن تكون الرؤى متطابقة, فالترجمة الحرفية للقصة تفقدها جمالها وتلقائيتها, لكن يجب أن يكون هناك تصور للأحداث وتبادل الأفكار بين الطرفين. •

 أظنك تعانين, ككثير من كتاب القصة في الأردن, من اهمال وزارة التربية والتعليم لقصصك وعدم ادراجها في مناهج اللغة العربية..؟ ـ موضوع ادراج القصص في المناهج المدرسية فقدنا الأمل منه. لقد حاولنا كثيرا في هذا الموضوع, ولم نتلق أي اجابة شافية, ولا يوجد استجابة لمطالبنا أبدا, فالوزارة لا تهتم بالقصة المنتجة.. وعلى الرغم من أن قصصي وصلت إلى دول الخليج العربي واميركا واستراليا, غير أنها لم تصل إلى المحافظات الأردنية كمأدبا والأغوار ومناطق الجنوب وغيرها.

• كيف توصلين كتبك إلى دول الخليج العربي..؟ ـ

 عن طريق ادراجها ضمن معارض ثقافية وأدبية تقام هناك. •

هل استثمرت اتقانك للغة الإنجليزية في حقل القصة..؟

ـ نعم, فقد ترجمت إحدى قصصي وهي بعنوان "من خبأ خاروف العيد..؟" إلى الإنجليزية, وقد عرضت في مجلة "World Literature Today" الأميركية. وأعرج إلى ورشة العمل التي حضرتها في الصين وهي بعنوان "International Writers Work Shop", حيث قرأت قصتي "الغول" وترجمت مباشرة إلى اللغة الصينية. •

ما هي أهم مشاريعك خلال هذا العام..؟ ـ

أحضر لإنجاز ثلاث قصص وهي بعناوين مؤقتة "انتبهي يا جود", وسأدرجها في سلسلة "الحلزونة", و"بطلة الأبطال" و"السلة العجيبة". فأنا أنجز من 3 ـ 4 قصص سنويا. كما أنني مدعوة للمشاركة في المؤتمر الخليجي الأول للأطفال بدبي, الذي سيعقد في الفترة من 19 ـ 22 من شهر آذار/مارس الجاري, وسأقدم ورقة عمل بعنوان "ثقافة الطفل والمستجدات العصرية". كما أنني مدعوة لمهرجان صيفي في الدنمارك في آب/اغسطس المقبل, سيعرّف الشعب الدنماركي على مدار شهر كامل بالثقافة والتراث والأدب في العالمين العربي والإسلامي, بحيث يتحول تصميم المقاهي هناك إلى النمط العربي فيضعون الكوفيات والبسط وما إلى ذلك. وهذا المهرجان الضخم, لم يعقد لمناسبة الأزمة التي رافقت الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول, فهذا المهرجان الضخم يتم الإعداد له قبل عامين, وقد استضاف المهرجان في عامه الماضي الأدب والثقافة في اميركا اللاتينية. لست أدري إذا كانت الدعوة ستبقى قائمة في ظل أزمة الرسوم الكاريكاتورية. •

 أنت لن تقاطعي المهرجان في حال بقيت الدعوة قائمة..؟ ـ لا, فالمهرجان, سيحل بنظري أزمة الرسوم الكاريكاتورية إلى حد كبير, إذ ستتم دعوة كتاب ورسامين ونحاتين وموسيقيين من مختلف أنحاء الوطن العربي. بالمناسبة, لقد حصلت على الدعوة بالتزامن مع قدوم وفد دنماركي إلى الأردن العام 2005 الماضي, لتتويج الملكة رانيا العبد الله "سفيرة هانز كريستيان آندرسون" نسبة إلى الكاتب الدنماركي المشهور.

 

12.    سمات القصة الطفلية
عند تغريد عارف النجار

هيثم يحيى الخواجة

على الرغم من اعتراف المجتمع العربي بما يسمى أدب الطفل منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي فإن الكثير من المؤسسات و الهيئات الثقافية و التربوية لم تمنهج خططاً ذات فاعلية لدعم هذا الأدب من جهتين: الأولى تتعلق بتحديد سماته و أصوله و قواعده ومقاييسه النقدية و الثاني: يخص دعم الكتاب المبدعين في الأجناس الأدبية التي تتوجه إلى الأطفال.
و إذا أضفنا إلى ذلك ضعف الأساليب و القوانين التي تحمي الأطفال من الغش المنتشر و المتراكم في الأرجاء فإن أطفالنا بحاجة ماسة إلى قصص خلاقة تعلمهم، وتمتعهم، وتثري خيالهم، وتبني شخصيتهم، وتفتح مداركهم، وتقويهم، وتبعد عنهم من التلوث الثقافي الذي يهدد بطوفان لا تحمد عقباه.
و أجزم بأنه لا خيار أمام أمتنا العربية من تغيير الأساليب وشحذ الهمم من أجل أدب طفلي متميز، ولا خيار- أيضاً - من ضرورة استغلال وتوظيف التقنيات الحديثة لخدمة أدب الأطفال لكي نتخلص من التشويش و التشكيك في أهمية هذا الأدب، وهذا لا يتحقق إلا إذا أعطي القوس باريها وتم الانحياز كلياً للإبداع الحقيقي الذي يفيد أطفالنا إذ لا يكفي أن نعترف بأهمية أدب الأطفال دون أن نسهم علمياً في النهوض بهذا الأدب وحمايته ودفع مسيرته.
ومن البدهي القول: إن الطفل اليوم غير طفل الأمس، وإنه لا يكمن أن تقدم له تجارب فطرية أو إبداعات مبتدئة، ذلك لأن الكبار يحملون أمانة كبيرة تجاه أطفالهم.
ونظراً لأن الغث أكثر من الثمين، و إن هذا الغث يكتسح الأسواق، وهو يتستر وراء الأغلفة الجملية و الأوراق الأنيقة، فإنني أجد من الضرورة التصدي لهذا الأدب و الإنارة على الأدب الجيد، لكي يعرف الكبار الكتب التي تستحق الاقتناء، و بالتالي التي يمكن أن يقرأها الأطفال، ويستفيدوا من أفكارها.
وتعد الكاتبة تغريد عارف النجار من الكاتبات اللواتي يشتغلن على قصة الطفل بروية وهدوء، ومن خلال خبرة واضحة في فن القص و الموضوعات التي تهم الطفل، وسأختار بعض النماذج من سلسة الحلزونة لألقي الضوء عليها و أقارب أفكارها وفنياتها.
ففي قصة أنا مدهشة (1) تبدأ الكاتبة قصتها بسؤال مثير يدعو إلى المتابعة والاستكشاف:
(( مرحباً يا أصدقائي.. أنا جود المدهشة، نعم.. حقاً أنا مدهشة! هل تريدون أن تعرفوا لماذا؟ إذن اقلبوا هذه الصفحة.))(2)
نكتشف بعد ذلك أن والد جود مهندس نشيط، ويحب ابنته و أن أمها طبيبة تصطحبها إلى العيادة، كما يصطحبها أبوها إلى الورشة أحياناً.. الأم تقرأ القصص لجود قبل نومها، وتعترف جود بأنها تحب أخاها زيد وتكره أن يشد شعرها.
كما تبوح بسعادتها عندما ترقص وترسم وتتخيل مع أختها جمانة..
أما جدها فهو يحب قراءة الصحيفة بعد وجبة الغداء، ويغفو وهو يقرأ فتضحك الجدة، وتضحك جود و أخواتها معها.
إن جود تحب جدتها لأنها تصنع الكعك اللذيذ وتساعدها في ذلك دائماً، وهي تسعد عندما تلعب مع سمير ورفاقه لعبة كرة القدم، وخاصة عندما تزور صديقتها هبة وتلعب معها وتفرح وتمرح.
لقد أرادت الكاتبة أن تلتقط مشهداً فاعلاً في حياة أسرة، و أن تبرز حب جود لأفراد الأسرة واحداً واحداً، كما تبرز ما يزعجها، وفي هذا أفلحت الكاتبة تغريد عندما ابتعدت عن المثالية المطلقة فاقتربت من الواقع الحياتي.
فالطفل كما يفرح يبكي وينزعج، كما أفلحت في اختيار لغة عذبة واضحة تناسب الفئة العمرية الثانية و الثالثة وجعلت الرسوم تندرج مع الكلمة، بحيث تحقق المتعة البصرية دوراً مؤثراً كما تحقق ذلك الكلمة بمعانيها ودلالاتها (( ولكنها حين تراني أعبث بحاجاتها، تصرخ في وجهي وتقول: اتركي أشيائي. اخرجي من غرفتي حالاً)) (3)
وفي قصة ليلة مظلمة للمؤلفة نفسها تجعل الرائي (التلفزيون) 
- أحد المخترعات الحديثة الذي دخل البيوت كلها وصار جزءاً من أفراد الأسرة و شخصية من شخصيات الأسرة.
في هذه القصة يغادر الوالدان البيت لحضور حفل زفاف، بينما تجلس جمانة مع جود لمشاهدة برامج التلفاز، وبعد الانتقال من محطة إلى أخرى تتوقف عند برنامج خاص بالأغاني، فتغني وترقص وتضحك، وعندما ينتهي برنامج الرقص تبث القناة فيلماً مرعباً، و على الرغم من إظهار جمانة خوفها لجود تصر جمانة على رؤية الفيلم.
لقد سيطر الخوف على جمانة وجود، و لما انتهى الفيلم سمعا خربشة من جهة المطبخ، فحملت جمانة مكنسة، وحملت جود مضرب التنس، و اتجها على رؤوس الأصابع إلى المطبخ، وهناك رأيا وحشاً كبيراً فصرخا النجدة، ثم ظهر صوت آخر فإذا هو القط ميلو يريد أ يدخل البيت.. وعندما عاد الوالدان من سهرتهما شعرت جود بالراحة ووعدت نفسها وعداً قاطعاً بأنها لن تحضر أفلام رعب في حياتها.
تحاول الكاتبة في قصتها أن تطرح موضوعاً يفيد الأطفال في كل أسرة فهو مهم إلى درجة كبيرة إذ لا يجوز للأطفال بعد مشاهدة الأفلام الخاصة بهم أن يجلسوا أمام التلفاز و التنقل من محطة إلى أخرى.
لقد سربت المؤلفة هذه الأفكار من خلال حكاية بسيطة تناسب عقل الطفل ويتفاعل معها، وقد بدا المعجم اللغوي في القصة ملائماً للفئتين العمريتين الأولى و الثانية، كما لعبت الصور المعبرة دوراً مؤثراً في التشويق و التعبير و الإغناء.
وتتوجه قصة (لا تقلق يا بابا) إلى تكريس ضرورة مساعدة الأولاد لأبيهم ففي صباح يوم الجمعة كتبت أم جود قائمة المشتريات، وكذلك فعلت جود، ثم طلبت أم جود من أبيها أن يذهب إلى المتجر لشراء الأغراض المطلوبة، ووعد الأب أن ينفذ ذلك قبل موعد مباراة كرة القدم النهائية بين إيطاليا وفرنسا، وفي الطريق إلى المتجر تعطل الدولاب فساعدت والدها بتبديله.
وفي المتجر بحث الأب عن قائمة المشتريات فلم يجدها، وسرعان ما أعطت جود قائمتها لوالدها، الذي فرح كثيراً، ولكن ومن دون قصد صدم المعلبات المعروضة في وسط المتجر، فوقعت المعلبات على الأرض ساعدت جود والدها في لم المعلبات.
وفي السيارة صار والد جود يسرع لكي يرى المباراة لاحظ ذلك شرطي المرور، فأمره بالتوقف، فتدخلت جود طالبة من الشرطي أن يسامح والدها الذي وعد بعدم السرعة ثانية.
وفي البيت أخبر والد جود زوجته بأن جود أفضل مساعدة في العالم، و أمام التلفاز سعدت جود مع والدها عندما ابتدأت المباراة، وشاهد الهدف الأول...إلخ
إن تغريد عارف النجار تطرح في بداية القصة سؤالاً تجيب عنه أحداث القصة، لكأن هذا السؤال غايته إثارة الطفل من أجل البحث عن الإجابة.
وقد كررت ذلك في القصص كلها كما ذكرت في القصة الأولى
هذا ولا يغيب عن المؤلفة الالتفات إلى عناصر القص، ولكن هذه العناصر تتسرب داخل السرد ببساطة لتلائم فهم وعقلية الطفل، فالمشكلة في هذه القصة أن الأب يريد أن يجلب حاجيات البيت، وفي الوقت نفسه لديه رغبة جامحة لرؤية المباراة على التلفاز بين إيطاليا وفرنسا ولهذا يخطئ مجموعة أخطاء الأول: أنه نسي الورقة التي تحمل ما يريد أن يبتاعه من السوق والثاني أنه اصطدم بالمعلبات المعروضة في المتجر.
و الثالث أنه أسرع في الطريق إلى البيت مما جعل الشرطي يحذره من السرعة.
وقد كانت جود المساعد و المنفذ فيما تقدم فقد قدمت له ورقة أخرى سجلت عليها الحاجيات وساعدته في جمع المعلبات و إعادتها إلى مكانها، و اعتذرت للشرطي عن سرعة والدها.
إنها حبكة بسيطة، ولكنها مشوقة، وتعجب الطفل، كما تجعله يتفاعل معها، كما تدفعه لكي يفكر أن يكون صورة مطابقة لجود الذكية و الطامحة إلى إرضاء والديها.
وفي قصة ( إنني أستطيع) كانت جود في الرابعة من عمرها، ولا تستطيع لفظ بعض الحروف، فالخاء تلفظها حاء، و الغين تلفظها عيناً وعندما سألتها المعلمة عن اسم شقيق الأم فلفظها (حالي) وهكذا تكرر ذلك من خلال ألفاظ عدة، فحزنت جود من سمير، الذي كان يصحح لها ألفاظها، مما اضطر المعلمة إلى الوقوف بجانب جود وتشجيعها على تجاوز ذلك قريباً.
وعندما وجدت جود سمكة الصف تطفو على سطح الماء دون حراك قالت: السمكة عرقت بدلاً من غرقت، فاعترض سمير، لكنه فهم ما تقصد بعد ذلك، وبدأ يدربها على لفظ الحروف بشكل صحيح.
وعندما دفعت سمير على الأرض غضبت المعلمة، لأن الدفع يؤذي فاعتذرت جود من سمير، كما إن سمير وعدها ألا يسخر منها أيضاً.
بعد ذلك تعود الأطفال على ألفاظ جود فنسيت مشكلتها، ولم تمض فترة طويلة حتى عادت تلفظ الحروف بشكل صحيح، خاصة عندما كانت تلاعب شقيقها الصغير فيناغي وتردد وراءه: (كم فرحت جود بإنجازها كما فرحت أمها أيضاً.
القصة عالجت مشكلة تربوية اجتماعية، وهي عدم قدرة بعض الأطفال على لفظ بعض الأحرف بشكل صحيح، وقد استطاعت المؤلفة أن تجد حلولاً منطقية وتربوية لمشكلة جود، وما الصراع بينها وبين سمير إلا أسلوب فني لتصاعد الحدث، و شد الطفل لمعرفة ما سيجري في نهاية القصة.
وتبرز الكاتبة النجار الموقف السليم لمعلمة جود التي لم تركز كثيراً على جود في هذا الموضوع ولم توليه أهمية أو تضربها أو توبخها على ذلك، بل وقفت بجانبها، و أخذت بيدها لكي تتجاوز مشكلتها بنفسها.
إن المجموعة القصصية للكاتبة تغريد عارف النجار جديرة بالقراءة، وهي مفيدة للطفل لأنها تحقق له متعتين ضروريتين الأولى فكرية تربوية هادفة و الثانية متعة بصرية جمالية حيث أن الفنانة التشكيلية لجين الأصيل جاءت بمنتهى الدلالة و التعبير المفيد الذي يثير انتباه الطفل، ويجعله يستمتع بالصورة، كما يتمتع بالقصة و أحداثها.

(1) أنا مدهشة، تغريد عارف النجار، السلوى للدراسات و النشر، عمان/ الأردن 2005
(2) المرجع السابق ص2
(3) المرجع السابق ص 13

13.    الانتفاضة وأدب الأطفال
هاشم غرايبة
جريدة الرأي 12/2/2001

الكتابة للأطفال ليست عملاً هيناً, واختيار الكتب الملائمة لأخذها كنماذج ناجحة ليس متيسراً دائماً, في هذا السياق استوقفتني قصة ( هدية جدي) للزميلة تغريد النجار, والقصة صادرة ضمن "سلسلة أحسن صديق " التي تضم قصصا أخرى منها : كعك, البطيخة, فهمان , ضاع عمر,
نشمة وجاسم .

لعل الخط الفاصل بين أدب الأطفال وأدب الكبار خيط دقيق وما يجمع بينهما أكثر مما يغلق المنافذ بحجة تصنيفات صارمة محورها هذا للصغار, وهذا للكبار, أي انني أميل للرأي القائل أن ما يعجب الصغار يعجب الكبار, والقصة ذات القيمة الفنية الرفيعة تشد الطفل وتدهشه ويحبها الكبير ويستمتع بها, وليس العكس ضرورياً في هذا السياق.

من هذه الزاوية أتناول قصة ( هدية جدي) وأرى فيها عناصر القص متكاملة:
التخيل, الرمز, المفارقة, المعنى, تنامي الحدث وصولا إلى الهدف دون إقحام أو مباشرة وباقناعية تامة.

تبدأ القصة إعتماداً على حادثة تاريخية معروفة ( دون إيراد هذه الحادثة ولكن باستحضار قرينة دالة عليها) فأثناء الاحتلال الانجليزي لفلسطين تميز ثوار عام 1936 بلبس الكوفية, فأصدر الانجليز أمراً بملاحقة واعتقال الذين يلبسون الكوفية, فكان رد فعل الشعب الفلسطيني هو بأن جميع الناس بادروا لارتداء الكوفية إعلاناً لتضامنهم مع الثورة, وحماية للثوار.

وطبعاً لم تستطع السلطات الاستعمارية آنذاك اعتقال وملاحقة كل الناس. هكذا صارت
الكوفية صنواً شعبياً للعلم. وإذا كان العلم رمزاً للسلطة الوطنية, فإن الكوفية صارت رمزاً للثورة الشعبية التي أخذت اليوم شكل الانتفاضة. فحيثما ارتفعت وتيرة النضال الشعبي الفلسطيني ضد الاحتلال والظلم, كلما برزت الكوفية رمزاً وراية.

تبدأ قصة تغريد النجار بهدية الجد لحفيده,ألا وهي الكوفية القديمة, كوفية ثورة 1936, أي راية النضال تنتقل من يد إلى يد. هدية بسيطة لا تفرح قلب الطفل لأول وهلة, ولكن المخيلة الابداعية تجعل من الكوفية كائناً حيويا له حضوره المقنع في الواقع ودوره المتميز في تنامي الحدث, عبر قص بسيط غير متكلف, والحدث هنا يذكرنا نحن الكبار بعصا سيدنا موسى إذا القى عصاه فاذا هي تلقف ما كانوا يأفكون.

الكوفية الرمز, تقوم في هذه القصة بالدفاع عنا وعن صاحبها, ومن خلال تطور وتنامي العلاقة بين الصبي والرمز يتعزز دور كل منهما في الحديث ويؤثر فيه وكلاهما يكمل الاخر, فينتقل بطل القصة ( نضال) من فعل التلقي والتفرج على الحدث, إلى فعل المشاركة ثم فعل النضال. وكذلك الكوفية تتحول من خلال علاقتها بالفتى من مجرد هدية بسيطة إلى حضور قوي فاعل ترفض سخرية أصدقاء نضال, ثم تتحول إلى بساط ريح يحمل الفتي ليطير فوق قريته المحتلة ولكنه يرى المستوطنات تحيط بها والمستوطنون الغزاة يتعرضون لأهل قريته بالأذى والقمع, فتصير الكوفية مظلة يهبط بها الفتى إلى أرض الواقع, أرض الانتفاضة, 
ولما يشارك نضال في انتفاضة الناس ضد الظلم والعدوان تصير الكوفية طاقية إخفاء تساعد نضالا على مقاومة المحتل وتخفيه عن أعين الأعداء:
" كوفيتي, كوفيتي, ساعدينا
وفي لمح البصر تحولت الكوفية إلى مقلاع أمطر المستوطنين بوابل من الحجارة فهربوا بعيداً
بعيداً. "
حين ينكشف أمر نضال يكون فتيل المقاومة الشعبية قد اشتعل فيهرع الناس لمساندة بعضهم بعضاً ولحماية نضال وكوفيته التي تصير مقلاعاً يستعمله نضال في مقاومة المحتلين الغاشمين.

هكذا عبر نقلات بسيطة معبرة ومقنعة, يتسلسل القص السلس من البسيط إلى المركب ثم يعود بالحدث إلى البسيط الصعب, وهو تجمع الناس عبر فعل الانتفاضة مرددين:
" عاشت فلسطين حرة عربية,"دون اقحام لتنظير فج أو اطناب زائد, وتكتمل دائرة القص ابتداء من كوفية ثورة 1936 وحتى انتفاضة الأقصى المعاشة, وقصة نضال الذي غادر بيته للعب مع أقرانه حاملاً الكوفية بتردد وعاد إلى بيته محمولاً على أكتاف أهل قريته رافعاً الكوفية بيرقا..

" أنزل أهل القرية نضالاً أمام بيته, فأسرع إلى جده يعانقه ويقول : شكراً, شكراً يا جدي, على أحلى هدية في عيد ميلادي"

الرسوم المرافقة للقصة كانت بريشة منال حدادين, أنها رسوم موفقة ومعبرة عن الأحداث بشكل جميل وواقعي, كما أن أفراد صفحة للكتابة والصفحة المقابلة للرسم هو شكل ملائم لكتب الأطفال ويساعد على جذب انتباههم وحسن متابعتهم, مع ملاحظة أن المقلاع هو غير النقيفة وكلاهما يستعملهما أطفال الانتفاضة, لكن الكوفية أنسب أن تكون مقلاعاً وهو ما أغفله الرسم المرافق لهذا التحول في القصة الشيقة, وتعزز في أذهانهم وأرواحهم ضرورة مقاومة الظلم, والتمسك بالحق والدفاع عن المظلومين.

 

14.    نقد أدبي لقصة في ليلة مظلمة

روز شوملي مصلح

 تغريد النجار "في ليلة مظلمة"

قليل من الكتاب والكاتبات تناولوا الجوانب النفسية للطفل، وبنوا عليها قصصهم. ومن هذا القليل تطل علينا الكاتبة تغريد النجار في كتاب "في ليلة مظلمة" تعالج فيها مشكلة الخوف عند الأطفال بعد كتابها المشهور "الغول" ولكن في هذه المرة تتناول خوف الأطفال من أفلام الرعب ، بعد أن تناولت في قصة الغول، الخوف من الأشياء التي نجهلها والتي قد لا تكون مخيفة أصلاً، وإنما تربينا على الخوف منها لنكتشف أنها هي الأخرى خائفة. وللكاتبة تغريد النجار اثنا عشر قصة ضمن سلسلة أحسن صديق، والتي تضمنت قصة الغول، وست قصص صدربت ضمن سلسلة الحلزونة وتأتي قصة "في ليلة مظلمة" من ضمنها.

  "في ليلة مظلمة"  قصة مصورة تمند على مدى أربع وعشرين صفحة، تصلح لأطفال المرحلة العمرية الأولى، ويمكن قراءتها من قبل الأطفال في مرحلة الطفولة المتوسطة، وهي صادرة عن دار السلوى للدراسات والنشر في العام 2002. وقد قامت بإعداد الرسومات السيدة لجينة الأصيل.

في قصة "في ليلة مظلمة" تتحدث جود عما حصل معها ومع أختها الكبرى جمانة حينما بقيا وحديهما في البيت ذات ليلة. حمانة تقنع جود بمشاهدة فيلم مرعب على التلفاز،وكيف تتفاعل الطفلتان أثناء مشاهدتهـما للفيلم وبعد المشاهدة. تصف جود لحظات الرعب التي عاشتها مع أختها، لدرجة أنهما يتخيلان أي شيئ على أنه وحش أو لص.  وفي النهاية، تقرر جود بشجاعة أنها لن تحضر أفلام الرعب حتى لو اعتبرت جبانة.

و ما أن  تصف تغريد النجار  حالة الطفلتين بعد أن انتهى الفيلم وسمعا صوتا خربشة، وكيف أثر فيلم الرعب في شحذ خيالهما المكتظ بكافة الإحتمالات، لنكتشف في نهاية القصة، أن الخربشة ما هي إلا صوت القط.

أفلام الرعب والأطفال

تعالج القصة نتائج مشاهدة التلفزيون دون رقيب. فجمانة الأخت الكبرى يشدها فيلم رعب، وهي تحاول أن تقنع أختها الصغرى التي تصغرها بسنوات، كما تبين الرسومات، بالترغيب حيناً والترهيب أحياناً بحضور الفيلم معها. فهي من جهة، تقنعها بأنها ستغير القناة إذا كان الفيلم مرعباً، ومن جهة أخرى، تتهمها بالجبن لعدم رغبتها في المشاهدة. ورغم أن جود تخاف أفلام الرعب، لكن ابتزاز جمانة ووعدها لجود ، يجبرها على مشاهدة الفيلم. وما أن يبدأ الفيلم حتى تشاهداه حتى النهاية.

تبين تغريد النجار تأثير مشاهدة أفلام الرعب على شخصية الطفل أثناء حضور الفيلم وبعد أن ينتهي. تصف كيف يسقط الطفل في شرك التوتر والترقب على  أمل أن ينتهي الكابوس دون أن يتمكن من الإنسحاب، وكيف يظل هذا التأثير قائماً حتى بعد انتهاء الفيلم. فالخوف الذي يواكب مشاهدة الفيلم يصبح حالة ترقب لما قد يحصل في الواقع. وتغريد النجار لا تفعل ذلك بشكل مباشر، إنما نتوصل إلى ذلك من خلال وصف جود، الأخت الصغرى، والتي تصف الأشياء كما تحدث دون لف أو دوران. فهي تصف حالة الخوف التي سيطرت عليها وعلى أختها، التي ادعت الشجاعة قبل أن يبدأ الفيلم، وببراءة الطفل، تصف كيف لم يتمكنا من التوقف عن المشاهدة. تقول جود، "كنا نصرخ أحياناً ونتمسك ببعض، ونتابع مناظر الفيلم من حلف الوسادة".  وتصف جود حالة الرعب التي سيطرت عليهما عندما سمعتا صوتاً يأتي من جهة المطبخ، وكيف حملتا المكنسة ومضرب التنس ومشيتا إلى المطبخ على رؤوس الأصابع مع تساؤل، "هل هو الوحش؟ هل هو لص؟" وتعرف تغريد النجار كيف تنهي قصتها التي تضع الطفلتين، والقارىء في حالة رعب. تنتهي القصة بانفراج، حين تكتشف الطفلتان  أن سبب الصوت هو قطهما ميلو.


الراوي كطفل صغير

جميل أن تروى القصة بصوت جود، فهي تتحدث عن الأمور ببساطة وعفوية. هي تعبر عن خوفها ، على عكس الأخت الكبيرة التي تتظاهر بالشجاعة، والمعرفة وتمارس سلطة الأخت الكبرى في ظل غياب الوالدين الذين خرجا للسهرة.   
خفة الدم واضحة في الصفحة الأولى حيث تبدأ القصة، "هل تحبون أن تشاهدوا أفلاماً مخيفة على التلفاز؟ لتعرفوا ما حصل معي ومع أختي جمانة ذات ليلة، اقلبوا الصفحة." وفي المفاجأة عندما يتبين أن الوحش المتخيل ما هو إلا القط. كما تتجلى خفة الدم حين تقول جود "جبانة أو غير جبانة... لن أحضر أفلام رعب بعد اليوم أبداً.. أبداً...أبداً."

الرسوم التوضيحية والقصة

للقصة روايتان. رواية ترويها الكلمات، ورواية نقرأها بالرسوم التوضيحية. والرسوم التوضيحية ربما تفوق أهمية النص من حيث أن الطفل في المرحلة العمرية المبكرة يستطيع أن يقرأ الصور التي توحي له بالقصة، أو تساعده على قراءة القصة بعد أن يقوم البالغ بقراءتها له. الرسوم التوضيحية تشحذ خيال الطفل وتسهل له العبور إلى عالم التجريد المعبر عنه بالكلمات. والجميل في الرسوم التوضيحية أنها تركز على الحالة النفسية لشخصيات القصة والتي يمكن أن يقرأها الطفل. فحالة الخوف التي هي أساس المشكلة يمكن قراءتها من صورة الغلاف.  الرعب باد على وجه الطفلتين وهما يبحثان عن شيء ما. وفي الصفحتين الثانية والثالثة نتعرف على جود التي ستروي الحكاية وعلى القط ميلو الذي توحي تعابيره بأنه يعرف أن له دور في هذه الحكاية. وتظهر جود كأنها تجاوزت خجلها من الخوف وأنها أصبحت على استعداد لتروي الحكاية. وتعبر الرسومات التوضيحية في القصة إلى الفرق بين الوضع النفسي للطفلتين قبل مشاهدة الفيلم وأثناءها وبعدها، وحالة الإنفراج في نهاية القصة.

تصور الرسومات التوضيحية في الصفحات الأولى طفلتين في ملابس النوم والوالدين يستعدان للخروج. واضح أن الطفلتين أختان، واحدة تكبر الأخرى بسنوات. الأخت الكبرى تهتم بالأخت الصغرى، وتحنو عليها، والأب والأم مطمئنان. واضح أن هناك جو مريح في البيت، مما يجعلنا نطمئن أن الأخت الكبرى ستهتم بالأخت الصغرى أثناء غياب الأبوين. وتأتي الصفحتان اللاحقتان لتؤكدا أن الأخت الكبرى فعلاً تهتم بأختها الصغرى، فهي تعد لها الطعام، وتلاطفها، ونراهما ترقصان معاً. وفي التلفاز تظهر سيدة تحمل الميكروفون كأنها تغني، لندرك أن الطفلتين ترقصان على أنغام الأغنية. ثم يتغير مشهد التلفزيون لتظهر مذيعة تتكلم، ونرى الأخت الكبيرة تتحدث وكأنها تحاول أن تقنع أختها بشيء ما، ونستطيع أن نرى حالة الخوف التي تسيطر على الأخت الصغرى أثناء حديث الأخت الكبرى من خلال نظراتها، وحملها للوسادة تخفي بها نصف وجهها تحسباً.

بعدها نرى حالة الرعب تسيطر على الأختين. صحيح أن الأخت الكبيرة تحمل الأخت الصغيرة في حجرها، لكن علامات الخوف سيطرت عليها هي أيضاً. ونستطيع أن نرى من خلال الرسوم الإيضاحية أنهما رغم هذا الخوف، لم يستطيعا أن يمنعا نفسيهما من متابعة المشاهدة. فهما ينظران بطرف عينيهما باتجاه التلفاز، والتلفاز لا نرى منه سوى السواد، أو العتمة، وعليه ندرك ارتباط العتمة بالخوف وبالليل حيث تمتد أحداث القصة.

حالة الرعب لا تزال واضحة في الرسوم التوضيحية. الطفلتان تسيران على أطراف أصابع قدميهما، الأخت الكبرى تحمل المكنسة، وتتقدم نحو الباب بحذر، والأخت الصغرى تتبعها وهي تحمل مضرب التنس بيد، وتمسك أختها الكبرى باليد الأخرى، والخوف باد على الاثنتين، لنتقل إلى الصفحتين التاليتين حيث نرى خيالاً أسود اللون يبدو كبيراً، والدهشة والخوف باديان على الطفلتين. في الصفحتين الأخيرتين، نرى ملامح السرور والبهجة. صحيح أن الرسوم الإيضاحية لا تبين في هاتين الصفحتين سبب الإنفراج، لكننا نرى في الصفحات التي تلي ظهور القط في كل الصور، فندرك أن القط لم يكن في البيت طيلة فترة الأحداث، وأنه عاد منذ اللحظة التي رأينا فيها صورته، وأن هذا الظهور ترافق مع  انفراج في أسارير الأختين.

رغم هذا الانفراج، نرى أن الأخت الصغرى تنام في سرير الأخت الكبرى، وندرك أن تأثير الفيلم لا زال قائماً ولكن بدرجة أقل حدية.  وندرك أن الأخت الصغرى، لا زالت تعاني من قلق في النوم كونها كانت مستيقظة عندما عاد الوالدان.

هذه القصة توضح كيف يتصرف الأطفال عادة في غياب الأهل في أعمار مختلفة، وكيف يلعب كل منهما دوراً مكملاً للآخر ومؤثراً فيه. للفور، تقمصت الأخت الكبرى دوراً أكبر من عمرها، والأخت الصغرى دوراً أصغر من عمرها. ولذلك فهذه القصة تصلح لمرحلتين عمريتين. وتساعد الرسوم الإيضاحية للقصة أن تقرأ بالصور من قبل أطفال المرحلة العمرية الأولى، كما يساعد النص البسيط والمشكل، بأن يقرأ من قبل أطفال المرحلة العمرية المتوسطة. القصة تساعد الطفل القارىء في أن يتجاوز خوفه، وأن يدرك أنه ليس وحده من يخاف، وأن هذا الخوف إنساني ولا يقتصر على عمر بعينه. والأهم من ذلك، يدرك أنه غير ملزم أن يفعل شيئاً لا يريده، وقد يضعه في خانة الخوف. ربما قرار جود في نهاية القصة بأن ترفض أن ترى أفلام الرعب حتى لو اتهمت بالجبن، يساعد الطفل أن يرفض دون خجل من أن يتهم بالجبن.  ربما لن تحقق جود هذا الوعد الذي قطعته على نفسها، لكن كلامها يدل بشكل مؤكد على تجربة لم تكن بالسهلة. ولكن ذكاء تغريد النجار في الإنفراج عند قمة التوتر، تجعل من هذه التجربة خطوة على طريق النضج. 

قصة للأطفال وللأهل معاً

"في ليلة مظلمة" هي قصة نقرؤها لأطفالنا، ولكن هل ننتبه أننا أيضاً نترك أطفالنا في أوضاع مماثلة؟ من منا يعرف ما قد يدور في رؤوس الأطفال في  ليلة مظلمة، وما قد يصوره لهم خيالهم؟ وخيالهم عادة أوسع من خيالنا وأكثر خصباً.

 

القراءة متعةالقراءة متعةالقراءةمتعةالقراءةمتعةالقراءةمتعةالقراءةمتعة