الرجوع لصفحة القراءة

 الرجوع لصفحة الصحافة

 المطالعة وتنمية ثقافة الأطفال

 

 

ملحق ثقافي
18/9/2007م
د.عيسى الشماس

تعدّ المطالعة من الوسائل الأساسية للحصول على المعرفة المنظّمة والمعمّقة، لأنّها تصل الإنسان بمنابع الثقافة الأصلية، وتزوّده بكل ّجديد في مجال الفكر والعلوم،

حيث يتخطّى بوساطتها حواجز الزمان والمكان. ولذلك تكتسب المطالعة بوجه عام، أهميّة خاصة من كونها تساعد في توسيع معارف الإنسان وتغني ثقافته، بحيث يصبح أكثر قدرة على التكيّف مع المجتمع الذي يعيش فيه، من حيث مجالاته الاجتماعية والعلمية والفكرية،‏ إضافة إلى أنّها وسيلة نافعة لقضاء وقت الفراغ في نشاط ممتع ومفيد. إنّ ما نلحظه من ظاهرة العزوف عن المطالعة، وقلّة التعامل مع الكلمة المطبوعة، عند الكبار والصغار، في زمن التلفاز والمحطّات الفضائية المتنوّعة، وأخيراً الحاسب والإنترنت، يثير جملة من التساؤلات حول مصير عادات القراءة والمطالعة والتعامل مع المادة المقروءة، التي كانت منذ فجر التاريخ الكتابي، أداة أساسية، وربّما الوحيدة، للتواصل الثقافي، ولا سيّما أنّ الآباء والأمّهات بدؤوا يهملون هذه الأداة، ويشجّعون أبناءهم من حيث لا يدرون، على إهمالها والتعامل مع التلفاز، حتى أنّهم يلجأون إلى إرضاء أطفالهم بالبقاء أمام التلفاز، وبلا ضوابط، بدلاً من أن يضعوا بين أيديهم كتاباً أو مجلّة. وفي هذا الصدد، أشار تقرير اليونسكو عام 1999، إلى أنّ الأطفال في الوطن العربي، في عمر ما بين ( 6-16) سنة، يقضون أكثر من ثلاث ساعات في اليوم أمام التلفاز. وإذا كنّا نلحظ عزوف الكثيرين من الشباب عن المطالعة، فإنّ ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى مرحلة الطفولة، حيث لم يجد هؤلاء القدوة الحسنة من الراشدين الذين يهتمّون بالمطالعة ويشجعونهم عليها. ولذلك، ستبقى القراءة تقنية صعبة بالنسبة لبعض الناس الذين لا يستطيعون إتقانها .. وحتى بالنسبة لأولئك الذين لا يواجهون صعوبة في القراءة، فإنّ مشاهدة التلفاز أمر لا يتطلّب الجهد الذي تتطلّبه القراءة في الكتاب. وقد انعكس هذا الواقع الذي أقلق المفكّرين والمثقفين، على الأوضاع الثقافية، حيث قلّ الاهتمام بتشجيع الأطفال على المطالعة، من خلال التحوّل إلى مصادر تثقيفية أخرى، قد لا تكون مضمونة النتائج. أهميّة المطالعة للطفل تعدّ المطالعة بالنسبة للأطفال، ذات تأثيرات ثقافية عميقة، فهي توسّع دائرة خبراتهم المعرفية وتنمّيها، وتنشّط قواهم الفكرية وتهذّب أذواقهم، وتشبع فيهم حبّ الاطلاع النافع لمعرفة أنفسهم وغيرهم، ومعرفة عالم الطبيعة بعناصره ومظاهره. وكلّما اتسعت رغبة الطفل في الاطلاع، ازدادت خبرته وصفا ذهنه واكتسب بالتالي سعة المعرفة بالعالم الذي يعيش فيه، وانبعثت في نفسه ميول جديدة. فالقراءة الحرّة عن طريق المطالعة هي نشاط ذاتي يعتمد فكرة الانتقاء، حيث تترك للطفل حرية اختيار الموضوعات التي تناسب ميوله وحاجاته، وقدرته على الفهم والتفاعل. فهي تفتح أمامه أبوب الثقافة وتحقّق له تكيّفاً شخصيّاً يساعد في تنمية العمليات العقلية الراقية، ولا سيّما التأمّل والتفكير المبدع. أي أنّها تساعد في تنمية مهارة التفكير السليم، لأنّها تتضمّن تكوين مفهوم للعلاقات، ورؤية لوضع استنتاجات، وإجراء موازنات وتطبيقات مناسبة لها. وبذلك تكون القراءة عاملاً من العوامل الأساسية للتفكير الابتكاري. إنّ شغف الأطفال بالمواد القرائية (الكتاب والصحيفة والمجلّة) يعدّ دافعاً قويّاً لتلبية حاجات أساسية لديهم، سمّاها بعضهم الحاجة إلى المعرفة، وسمّاها آخرون الحاجة إلى الفهم، بينما سمّاها برلاين 1965، Berlyne الحاجة إلى الاطلاع. ولذلك تنمّي العمليات القرائية عند الأطفال، والمهارات والعادات الخاصة بها، مطلباً تربوياً / ثقافياً في عالمنا المعاصر، عام التفجّر المعرفي والتراكم العلمي /الثقافي. وبما أنّ للمطالعة دوراً كبيراً في التنمية الثقافية للفرد، فإنّ على البيئة الأسرية والتربوية، بوصفها المجال الاجتماعي/ الثقافي الذي يحيط بالطفل، أن تتحمّل مسؤولياتها في غرس حبّ المطالعة عند الطفل، وتنمية هذا الميل ليصبح عادة متأصّلة لديه، ترافقه مدى حياته، وذلك من خلال توفير المصادر الثقافية للطفل وتشجيعه منذ الصغر، على القراءة الحرّة والمطالعة، في زمن بدأت تقلّ فيه أهميّة التواصل مع الكلمة المطبوعة عامة، ومع الكتاب خاصة، وذلك بسبب تعدّد مشاغل الحياة وتعقّدها من جهة، وانتشار وسائل الإعلام الجماهيرية الأخرى، ولا سيّما المرئية منها بمؤثّراتها المختلفة، من جهة أخرى. وبما أنّ طفل اليوم هو رجل الغد- كما يقولون – فإنّه لمن الطبيعي أن تكون الخبرات التي يتلقّاها والمهارات التي يكتسبها في هذه المرحلة، ذات أثر بالغ في تكوينه النفسي والاجتماعي والثقافي، وبما يكون له الدور الفاعل في حياته المستقبلية. وهكذا تبدو أهمية المطالعة في كونها من الحاجات الأساسية للغذاء الثقافي /الفكري والتعليمي/ حيث يتعلّم الطفل كيف يقرأ ويفهم ويوازن، إضافة إلى أنّه يطّلع على ثقافات الشعوب الأخرى وإنجازاتها الفكرية والعلمية. تشجيع الطفل على المطالعة الوالدون والمربّون، هم القدوة الحسنة للأطفال في الفكر والسلوك، وطرائق التعامل الحياتية المختلفة، ومنها التثقيف والمطالعة. فعندما يرى الأطفال هؤلاء (القدوة) يقضون بعض الوقت في قراءة كتاب أو مجلّة أو صحيفة، فإنّهم يراقبون ذلك ويقلّدونه، بل وينعدون منه. وعندما يتردّد الوالدون إلى المكتبات ليشتروا الكتب وهم سعداء في قراءتهم، فإنّهم بذلك يعوّدون أبناءهم على محبّة الكتاب والتعامل معه باحترام، ولا سيّما إذا ما اصطحبوهم إلى المكتبات بين حين وآخر، ليختاروا الكتب التي يرغبون بقراءتها. كما تعدّ حكاية القصص للأطفال أو قراءتها لهم قراءة جهرية، من وسائل تنمية الميل إلى القراءة في المنزل. ويمكن تنمية الميول القرائية للمطالعة عند الطفل، منذ أعوامه الأولى وبوسائل متعدّدة، كعرض الصور الملوّنة، والكتب المصوّرة العلمية والأدبية، عن البيئة والحيوان، وحكايتها للأطفال بالدلالة على الصورة، وقراءة القصّة مع تلوين الصوت للتعبير عن المواقف المطروحة. وبما أنّ الأطفال مقلّدون بارعون، ويحاولون أن يسلكوا سلوك آبائهم وإخوتهم الكبار، فإنّ توفير الظروف الثقافية المواتية، يدفعهم إلى القراءة في أوقات فراغهم، فتتّسع ميولهم القرائية وتتنوّع. فقراءة كتاب فيه من الحقائق العلمية والأدبية والمعارف الثقافية المختلفة، تثير اهتمام الطفل وتحرّضه على المزيد من القراءة والتأمل، وطرح الأسئلة والاستفسارات، عمّا يجول في ذهنه، عن ذاته وبيئته، وعن الآخرين من حوله، للوصول إلى ما يلبّي حاجته وفضوله إلى الاطلاع والاكتشاف، ومعرفة كلّ جديد. إنّ أهمية المطالعة هذه، تفرض على الأسرة أولاً، ممثّلة بالوالدين، وعلى المربّين ثانياً، أن يهيّئوا الأنشطة الثقافية المختلفة من أجل غرس عادة المطالعة في نفوس الأطفال وتعزيزها، من خلال الحديث عن فائدة الكتب والمجلاّت، وتشجيعهم على شرائها، وتقديمها لهم في المناسبات الخاصة. كما ينصح الوالدون إذا كانوا يقرأون لأطفالهم مرّة في الأسبوع، أن يحاولوا مضاعفتها إلى مرّتين على الأقلّ. وإذا كانت مدّة القراءة (15) دقيقة، عليهم أن يزيدوها بالتدريج إلى ( 20) دقيقة، ووضع خطّة لتطبيق ذلك. وهذا كلّه ينمّي الألفة بين الطفل والكتاب، بحيث يمارس المطالعة كهواية أولاً وكعادة ثانياً. وقد عبّر أحد الحكماء المصريين القدماء عن تشجيعه ابنه على المطالعة، حين قال : «ليتني أجعلك تحبّ الكتاب أكثر من أمّك..». ولا شكّ أن محبّة الأم لا تعادلها أيّة محبّة ..فهل نأخذ بهذه الحكمة؟!

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية

القراءة متعةالقراءة متعةالقراءةمتعةالقراءةمتعةالقراءةمتعةالقراءةمتعة