الرجوع لصفحة القراءة

الرجوع لصفحة مقالات

 أدب الطفل بين العربي والغربي

 

 

 

الثلاثاء, 06 أبريل 2010 16:53 محمد فتحي بشير- الرياض

0رغم طرح ملف أدب الأطفال على موائد الحوار في كثير من المؤتمرات والملتقيات والندوات العربية, الا أن الواقع يثبت أن التوصيات التي يخرج بها الآدباء والتربويون ليست أكثر من حبر على ورق, فأدب الأطفال ذلك الحاضر الغائب لم ينل من المؤسسات المعنية ما يستحق من اهتمام وبذل للجهد, اخيراً توصلت دراسات صادرة عن منظمة اليونسكو وتقارير سنوية عن التنمية البشرية التابعة للأمم المتحدة أن الوقت المخصص للقراءة عند الطفل العربي لا يزيد على ست دقائق في العام, تشير الدراسة الى احتساب اوقات القراءة المدرسية المنهجية, فهناك تقصير واضح في حق ما يزيد عن 120 مليون طفل عربي لا يجدون أمامهم بديلا عن الفضائيات التي باتت تشكل لهم حجر الزاوية في صياغة مفاهيمهم وأفكارهم ومعارفهم المختلفة, فالتقصير يزداد يوما بعد يوم, والاهمال واللامبالاة تجعل صغارنا نهبا للأفكار الغريبة علينا وساحة يعربد فيها الفراغ في ظل غياب ستراتيجية ثابتة تتبعها الدول في هذا المجال, يبلغ عدد الكتب التي تصدر للطفل العربي 500 كتاب مخصص سنويا لطفل العربي في مقابل 13260 كتاباً للطفل البريطاني و2118 كتابا للطفل الفرنسي و1485 كتابا للطفل الروسي.
أدب الطفل هو ذلك النوع من الأبداع الذي يشمل أساليب مختلفة من النثر والشعر المؤلفة بشكل خاص للأطفال من دون عمر المراهقة, بدأ تطور هذا النوع الأدبي في القرن السابع عشر في أوروبا ثم تطور في القرن العشرين مع تحسن أنظمة التعليم, مع أنتشار الوعي بدأ طلب جيد على كتب الأطفال, ساهمت القصة والألعاب الشعبية في العملية التعليمية للأطفال, ساعدت القصص والأشعار على تنمية الجوانب المعرفية الذهنية كالقراءة والكتابة والرياضيات والعلوم وتنميةالجوانب المعرفية الذهنية وتعليم القيم الايجابية كالتعاون وحب العمل, لأدب الطفل وظائف عديدة منها وظائف تعليمية وجمالية وتربوية وترفيهية وعقائدية وتذوقية, ناهيك عن التنشئة الصحيحة لشخصية الطفل وزيادة خبراته وتجاربه وتذوق اللغة والرسوم وتنمية قدراته, فالطفل الذي يتربى على أدب جيد من المؤكد أنه يستطيع التعبير عن أحاسيسه ومشاعره وأفكاره بشكل جيد أيضا, كذلك فالتذوق اللغوي والأدبي يفتح له أفاقا أوسع وأرحب, كاتب الطفل البارع هو ذلك الشخص القادر على أعطاء الطفل الشعور بالمعاني السامية وأثراء خياله وربطه بالحياة بشكل أروع, هناك كتاب جيدون في الوطن العربي يكتبون للطفل منذ بدايته مع كامل الكيلاني وتتطوره عبد التواب يوسف ويعقوب الشاروني وأحمد نجيب وغيرهم الكثير, لكن اللافت للنظر أن جيلاً جديداً لم يظهر بعد ذلك ليحدث نقلة نوعية لأدب الطفل في عصر العولمة والمعلوماتية والتطور التقني الهائل, فطفل اليوم يختلف عن طفل الأمس وحاجته المتطورة تحتاج الى النهضة كتابية متميزة , لكن أين ذهب هذا الجيل? هل سقط سهوا من ذاكرة الزمن? من المؤكد أن هناك متميزين ولكن المناخ العام لا يسمح لهم بالاستمرار, لأنه يتسم بالعشوائية وعدم التنظيم وأنعدام العمل المؤسسي.
لقد أكدت الكثير من الدراسات على أهمية أدب الأطفال لما له من ضرورة حتمية في اللحظة الآنية, وذلك من ناحية صياغة المفاهيم الجديدة في عقله وتكوين وجدانه وصناعة هويته وتطوير مستواه الفكري وتنمية قدراته وملكاته واكسابه قدرة على رؤية الواقع وخلق ملكات البحث والقراءة لديه, أدب الأطفال يعاني حاليا من أزمة حقيقية وهي ليست وليدة اللحظة, فاذا كان عمره عالميا يزيد عن مئتي عام, فان تاريخه عربيا يعود الى مئة عام وإن امتدت جذوره لحقبة أطول, يندرج تحت مسمى أدب الأطفال الكثير من الأشكال الأدبية منها القصة القصيرة, القصة الطويلة, الرواية, الشعر, المسرح, الابداع للأطفال لا يزال متواضعاً ومحدوداً, وربما يقول قائل أن كتب الأطفال تملأ الأسواق في الدول العربية, والحقيقة المرعبة التي لا يلتفت اليها الكثيرون أن الأعداد الكبيرة التي تنام على أرفف المكتبات والمعارض ولدى باعة الصحف لا تشكل في الغالب ذلك الابداع الذي نتطلع أن نغذي به عقول أطفالنا, فالغالبية العظمى من الكتب بلا فكر ولا مضمون ولا تتبع في ذلك الأسس الفنية للمرحلة العمرية التي تناسب الطفل, والناشرون لا يهتمون الا بالربح ويعانون من قلة الوعي بأدب الأطفال, فنرى النتيجة ساحة يزداد فيها الغث على الثمين, ما معنى أن نجد كتب التلوين قد زادت بصورة ضخمة? وماذا تفيد كتب المغامرات البوليسية التي لا تحمل أي فكر? هل ستظل أغلب القصص تسرق من ألف ليلة وليل,و كليلة ودمنة, وبعض الكتب التراثية العربية والأوروبية?
ان الوضع الحقيقي لأدب الأطفال من دون تضخيم سييء للغاية ويحتاج الى وقفة حاسمة, ولعل أكبر دليل على تواضع الانتاج القصصي للأطفال داخل البلدان العربية أن نجد جائزة "هانز أندرسون" السويدية التي تمنح كل عامين لكاتب أطفال وتعادل جائزة نوبل للآداب مازالت تشتاق لاسم كاتب عربي أو مجموعة من الكتاب يثبت فيها وجودهم معلنون أن لدينا أدب طفل ينبغي له أن يصل الى العالمية, ولعل حصول كل من الكاتبين عبد التواب يوسف وأحمد نجيب على جائزة الملك فيصل العالمية والتي خصصت في العامين لأدب الطفل, قد يفتح المجال لفوز كاتب أو أكثر بجائزة عالمية في هذا المجال, وقد دعونا سابقا لجائزة كبرى لاكتشاف المواهب في الكتابة لأدب الأطفال على غرار جائزة سوزان مبارك لأدب الأطفال التي تمنح سنويا للمبدعين الجدد والمحترفين وظهرت جائزة الشيخ زايد وكذلك الشارقة, لكن كل هذه الجوائز أكتشفت كتابا ولكن لم ترعاهم ليقدموا المزيد من التميز, نحن بحاجة لأجيال جديدة تواصل المسيرة وتنقذ أطفالنا من غربتهم الثقافية, فتاريخ أدب الأطفال لدينا يفرض علينا ضرورة تفعيل الساحة, ولعل ما يحدث في مجال الأدب الاسلامي للطفل أكبر دليل على مدى التخبط الحادث في مجال الكتابة للأطفال, فالناشرون يلعبون على الأوتار الحساسة للناس ويستغلون كلمة أدب الطفل الاسلامي ليضعوها على كل كتاب بغض النظر عن أنه ينطوي تحت شكل أدبي كالقصة أو الشعر أو المسرح أو مجرد حكايات منقولة من التاريخ فحسب دونما مراعاة لمرحلة عملية معينة يمر بها الطفل, ويلاحظ المتتبع لمثل هذه الكتابات أن المستوي اللغوي لطفل الثامنة من عمره يصل لمن تجاوز عمره الخامسة عشر, وهذا بطبيعة الحال ناتج من أن كتابها ليس لهم علاقة بأدب الطفل من قريب أو بعيد, فهم في الغالب طائفة ظهرت نتيجة جهل الناشرين أو عدم رغبتهم في اللجوء لكتاب محترف لتقليل النفقات وبالتالى زيادة الربح, ونحن لا نقلل من قيمة هذا الأدب, بل نحن في أمس الحاجة الى القصص الاسلامية التي تعمل على تنشئة الطفل دينيا بشكل صحيح ولكن مع مراعاة المعايير الفنية المستخدمة في هذا المجال.
تقدم الولايات المتحدة الأميركية جوائز كثيرة لكتاب الأطفال منها جائزة جون بيرى وتستمد أسمها من أسم أقدم بائع كتب أطفال بالقرن الثامن عشر والكاتب الذي يحصل عليها يتصارع عليه الناشرون, هذه الدول متقدمة وكل عمل لديها مؤسسي والمناخ العام يساعد على
شهرة ونجاح كاتب الطفل, الذي يحقق ثروات طائلة ولننظر الى رواية "هاري بوتر" بأجزائها السبعة وما حققته الكاتبة البريطانية "جي كي رولينج " من نجاح وهي أغنى من ورد على قائمة فوربس من الكتاب منذ تأسيسها, رولينج باعت من سلسلة مغامراتها الشهيرة "هاري بوتر" أكثر من 375 مليون نسخة حول العالم, بينما باع الجزء الأخير من السلسلة "هاري بوتر والأقفاص المهلكة" أكثر من 44 مليون نسخة منذ صدورها في يوليو 2007 م , جي كي رولينج هي واحدة من أشهر كتاب المغامرات في العالم, واستطاعت من خلال سلسلة المغامرات العالمية للأطفال منذ صدور الجزء الأول "هاري بوتر وحجر الفيلسوف" عام 1997 أن تجتذب ملايين القراء من مختلف الأعمار ومن جميع أنحاء العالم, ترجمت الأجزاء السبعة من السلسلة الى 65 لغة, كما تحولت الثلاثة أجزاء الأولى منها الى أفلام سينمائية أنتجتها هوليوود, ليست هذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها الكاتبة على قائمة فوربس العالمية فقد كانت ضمن قائمة عام 2004 و2007, اعتبرتها مجلة فوربس في عام 2004 أول مليارديرة في العالم من الكتابة

لن يتكون الوعي لدى الناس بأهمية كتب الأطفال الا بوجود مؤسسات تنهض بالابداعات الموجهة للأطفال, ترعى كتاب الأطفال وتقيم مهرجانات القراءة وتنظيم معارض لكتاب الطفل من أجل الاطلاع على ثقافات متقدمة وتجارب أكثر شمولا نستطيع من خلالها اقامة تجارب موازية لنتعامل مع الطفل العربي الذي أصبح أكثر وعيا وفهما في عصر الانفجار المعلوماتي والمعرفي.. 

   عن مجلة السياسة

 

القراءة متعةالقراءة متعةالقراءةمتعةالقراءةمتعةالقراءةمتعةالقراءةمتعة