|
التاريخ: Friday, September 18
الموضوع: ثقافة وفن
حواس محمود
تعد القراءة من دون شك العامل الاساس في عملية الحراك
الابداعي سواء لجهة التأمل والفائدة والمتعة او لجهة البحث
والتدوين وصولا للابداع المقارب، ويشكل في هذا السياق
كتاب «متعة القراءة» الصادر بدمشق مؤخرا والذي شارك فيه
مجموعة من الكتّاب ، جهداً معرفياً بغاية تبيان القيم
الثقافية للكتب والمؤلفات وفيه إشراقات وإضاءات عديدة لفهم
كنه العملية الثقافية، عبر التعرف على كنوز الثقافة من
خلال الكتب والمؤلفات.. الكتاب من تقديم الباحث محمد كامل
الخطيب وقد عنون تقديمه بـ «مديح الكتب» يشير فيه إلى
انتقال الوسيلة الثقافية من الكتاب إلى التلفاز والأنترنت
ووسائل تكنولوجية أخرى عديدة.
ويقول: إن الكتاب هو اقتراح للنقاش والحوار، ودعوة متجددة
للقارئ عبر تجدد قراءته في كل عصر ومع كل شخص، أما ما يعرض
في جهاز التلفزيون فهو «درس املائي» يلقيه الأستاذ على
الهواء ويمضي، إنه كلام يزول بانتهاء لحظة إرساله.
بين الكاتب والقارئ:
يقع هذا المقال في قسمين متمايزين، حاول الكاتب «رونالد
باركر» في أولهما أن يعرض بإيجاز لتطور الكتب وتجارتها منذ
أقدم العصور، بينما أفرد القسم الثاني لتحديد طبيعة الدور
المتخصص الذي يقوم به كل من الناشر والطابع وصاحب المكتبة
في بريطانيا، ويشير الكاتب أن التجارب أثبتت له استحالة
نجاح شخص واحد في القيام بجميع هذه المهام المختلفة، وهو
رأي يدعمه الاتجاه السائد الآن نحو مزيد من التخصص في عالم
الكتاب.
فضل الكتب وبيان منافعها:
هذه المقالة للخطيب البغدادي وهي زاخرة بالأمثلة والحكايا
والتجارب والأشعار التي تبين أهمية وقيمة الكتب في
الارتقاء بالوعي البشري فها هو يقول ـ مثلاً ـ قرأت في
كتاب محمد بن عبد الملك النارنجي بخطه حدثني أبو توبة يعني
صالح بن محمد بن دراج قال: حدثني الحسن بن سهل قال: كان
المأمون ينام والدفاتر حول فراشه ينظر فيها متى انتبه من
نومه وقبل أن ينام.
ويشار إلى أنه قد جعل بعض الشعراء الكتاب قسماً أقسم به في
شعره لعظمته عنده، وجلالة قدره فقال فيما أخبرنا أبو الحسن
محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي، أخبرنا أبو محمد بن يحيى
الصولي، قال: قال أبو الحسن محمد بن أحمد العلوي
الأصبهاني:
لا وأنسي وفرحتي بكتاب أنا منه في حسن أضحى وفطر
ما دجا ليل وحشتي قط إلا كنت لي فيه طالعاً مثل بدر
بحديث يقيم للأنس شوقاً ولثام يكف لوعة صدري
عن التأليف: آرثر شوبنهاور.. بحسب شوبنهاور المؤلفون
نوعان: نوع من أجل الموضوع الذي يتناوله، ونوع يسود الورق
من أجل الكتابة ذاتها، وأولئك الذين يكتبون من أجل الموضوع
تكون قد عنت لهم ضروب من الفكر أو مروا بأشكال من التجربة،
يجدونها جديرة أن يلم الآخرون بها، أما الذين يتخذون
الكتاب حرفة، فلا همَّ لهم إلا جمع المال، والتعيش بالقلم،
فالفكر لديهم جزء من صنعة الكتابة ذاتها وهم أناس لا
تخطئهم العين البصيرة، من فرط ميلهم إلى استنفاد الخاطر
الذي يعن لهم، والفكرة التي تمر بأذهانهم في أطول سرد
ممكن، وأعقد قول مستطاع، بل يعرفون كذلك من طبيعة أفكارهم،
وهي أنصاف حقائق تهمع في الخطأ وتتأرجح فلا تجد مستقراً
لها، وتنضح بالتصنع والافتعال، كما يعرفون من نفورهم
الواضح من أن يقولوا قولاً صريحاً مباشراً، خشية أن تنكشف
حقيقة أمرهم، فتتعرى كتاباتهم، لذلك من التحديد والوضوح،
ولا يطول الأمر بهم قبل أن يكشفوا عن زيفهم، فما يلبث
القارئ الفطن أن يتبين أنهم لا يستهدفون، في حقيقة الأمر،
إلا تسويد الورق وإراقة المداد، وإن كان هذا مثلباً يتردى
فيه أحياناً، وعن غير قصد، أفضل الكتاب، مثلما تردى
«ليسنغ» في بعض ما كتب «وجان بول» في الكثير من رواياته
الخيالية.
يشير «شوبنهاور» إلى أن الخطأ الأكبر يتمثل في اعتقاد
الناس أن أحدث ما يصدر من كتب هو أكثرها دقة وصلاحية وأن
كتب اليوم، بالضرورة أجدى من كتب الأمس، وأن التغير يعني ـ
دوماً ـ التقدم إلى ما هو أفضل، إلا أن المفكرين الأصلاء
ذوي الحكم الصائب على الأمور، الجادين في تناول موضوعاتهم
لا يتوافرون في كل عصر وزمان، إنما هم استثناءات من
القاعدة، وفي اعتقاد الكاتب أن ذلك الذي يبتغي الدراسة
الجادة لموضوع ما، يحسن به أن يحاذر الاندفاع ـ دون تبصر ـ
وراء كل مستحدث من الكتب، متوهماً أن العلم في تقدم، وأن
كل جديد مفيد وأن الجديد فوق ما فيه مستحدث المعرفة، لا بد
من أنه يضم المعارف التي تحويها الكتب القديمة، مما يكون
المؤلف الحديث قد استقاه في مجال مبحثه، وضمنه كتابه، وهو
ما لاشك أن الحديث فاعله، ولكن بأية طريقة؟ الأغلب الأعم
ألا يكون قد كلف نفسه مشقة الفهم الكامل لما تحويه تلك
الكتب القديمة، وإن كان لايتورع عن استعمال مصطلحاته نفسها
بل عبارته نفسها، ما يؤدي به إلى التخبط، فيختلط الأمر
عليه، وينتهي إلى أن يقول بطريقته الفجة المبتسرة ما قاله
السابقون قولاً أفضل وأكثر نضجاً لأنه صدر من واقع المامهم
الحي بموضوعهم، ولذلك فإن الكاتب الحديث غالباً ما يستبعد
في مجال نسخه أفضل ما في الكتاب المنسوخ منه، ويضيع بذلك
أكثر أفكار الكاتب الأصيل عمقاً وأحفلها بالمغزى، إذ لا
تروق له إلا الفكرة الضحلة الراكدة والقول الذي لا جدوى
فيه...
رجل الكتاب الواحد:
ـ اسحاق دزرائيلي ـ يركز الكاتب «دزرائيلي» على فكرة
أساسية تتمثل بضرورة وأهمية التأثر لكل من يقرأ بكاتب
محدد، والإعجاب به ومحاولة تقليده أو حتى تجاوزه إبداعياً
وكتابياً لأن ذلك بحد ذاته سيكون بمنزلة البذرة التي ستنضج
وتعطي ثماراً يانعة في القادم من الأيام..
يقول الكاتب: إننا نحتاج الآن إلى فن يعلمنا كيف نقرأ
الكتب وليس إلى فن يعلمنا كيف لا نقرؤها، وسيكون ذلك فناً
عملياً، ولكن ونحن لا نزال بين هذه الكثرة من الكتب، دعنا
نكون «رجل الكتاب الواحد» ونحتفظ بذلك التلاقي الدائم مع
الكاتب العظيم الذي نتعاطف مع طريقة تفكيره، والذي نستطيع
دائماً أن نحتفظ بذاكرتنا بسحر كتابته، إن من الجدير
بالملاحظة أن كل كاتب كبير يبدو منحازاً لمؤلف يفضله عن
غيره، ولو كان لهؤلاء صندوق من ذهب كالاسكندر الأكبر،
لحذوا حذوه ووضعوا فيه الأعمال التي يقلبون أوراقها
باستمرار، كنوع من التقديس، ولقد كان ديموشينس يستمتع
بتاريخ لتيو ديدس إلى الحد الذي جعله ينسخه لثمان مرات،
كيما يلم الماما كاملاً بأسلوبه، ويألفه كما يجب.
كيف يجب أن يقرأ المرء كتاباً؟ ـ فرجينا وولف ـ :
تشير الكاتبة إلى أن النصيحة الوحيدة التي يستطيع أن
يقدمها فرد إلى الآخر في موضوع القراءة هي ألا يقبل أي
نصيحة في هذا، وأن يتبع غريزته فقط، وأن يستعمل عقله هو،
وأن يصل إلى النتائج بنفسه، فإذا ما تم الاتفاق على ذلك،
فإن الكاتبة تستشعر بأنه لا حرج من وضع تقديم بعض الأفكار
والمقترحات لأنك لن تسمح لها بالحد من ذلك الاستقلاب الذي
يعتبر أهم الخصائص التي يمكن للقارئ أن يمتلكها.
وتشير الكاتبة إلى أننا في الغالب نجيء إلى الكاتب عادة
وعقولنا مشتتة غير قادرة على وضوح الرؤية، نطلب من القصص
أن يكون صدقاً، ومن الشعر أن يكون زيفاً ومن الترجمات أن
تكون ملقاً، ومن التاريخ أن يكون دعماً لأفكارنا المسبقة..
فإذا استطعنا أن نتخلص من كل هذه المفهومات المسبقة فإن
ذلك يكون بداية جديرة بالإعجاب، فيجب ألا تملي على مؤلفك
بل تحاول أن تضع نفسك في مكانه وتتقمص شخصيته، كن زميله
المتآمر معه في هذا العمل، لأنك إن سحبت نفسك وبدأت
بالتحفظ والنقد، فإنك تمنع نفسك بذلك من الحصول على أكبر
قيمة ممكنة لما تقرأ، ولكنك إن فتحت عقلك إلى منتهى سعته،
فإنك ستجد في صياغة الجمل الأولى وعقد خيوطها، من الإشارات
واللمحات التي دقت ورقت إلى حد معه لا تلحظها، ما يحملك
إلى حضرة إنسان يختلف عن أي إنسان آخر، أغرق نفسك في هذا،
وتعرف عليه، وستجد أن مؤلفك يعطيك أو يحاول أن يعطيك،
شيئاً أكثر تحديداً ووضوحاً من ذلك بكثير.
فن القراءة والكتابة ـ لين يوتانج ـ
يرى «هوانج» أن القراءة الهادفة إلى تنمية سحر الإنسان في
مظهره ونكهته في حديثه، هي الطراز الوحيد المقبول، من
القراءة ويجب أن يفسر هذا السحر المظهري على أنه شيء مختلف
كثيراً عن الجمال البدني، ويمكن القول: إنه ليست ثمة كتب
تجب قراءتها كحتمية مطلقة، فرغباتنا الفكرية تنمو كالشجرة
أو تسير كالنهر، ومادام لهذه الشجرة فروعها السليمة،
فستنمو سليمة ومادام الماء مستمراً من الينبوع، فسيظل
النهر جاريا، وقد تكون للكتاب نفسه إذا قرأه قارئ واحد في
أوقات مختلفة نكهات مختلفة أيضاً، فنحن نحس بالمتعة من
قراءة كتاب، إذا كنا نعرف مؤلفه شخصياً، أو إذا كنا قد
رأينا صورته، وقد نحس بنكهة مغايرة لهذا الكتاب نفسه، إذا
أعدنا قراءته بعد أن تقع القطيعة بيننا وبين مؤلفه.
أما فيما يتعلق بفن الكتابة عند يوتانج فيقول: يعتبر فن
الكتابة أوسع بكثير من فن أساليبها، وقد يكون من المفيد
للمبتدئ الذي يتطلع إلى أن يصبح كاتباً أن يبعد عن نفسه أي
شعور بالقلق والتخوف من أسلوب الكتابة، وأن يتوقف عن
الاهتمام بالقضايا المصطنعة وأن يغوص في أعماق روحه ليبني
شخصية أو بيئة له، تعتبر أساساً في كل تأليف، وعندما يتم
وضع الأساس وتخلق الشخصية يأتي الأسلوب كنتيجة طبيعية،
تصلح دقائقه نفسها بنفسها، وليس الأسلوب طريقة أو نظاماً
يتبعه الكاتب أو زخرفة لغوية، وإنما هو الانطباع العام
الذي يحمله القارئ عن فكرة الكاتب وعمقه أو اصطناعه
واستشفافه أو افتقاره إلى هذا الاستشفاف، ويشار إلى أن
جودة الكتابة أورداءتها تعتمد على مافيها من سحر ونكهة،
وليست هناك أية قواعد للسحر، لأنه ينبع من كتابة الإنسان
كما يتصاعد الدخان من الغليون، أو كما تصعد السحابة من قمة
الجبل، دون أن تعرف الوجهة التي تتجه إليها، وخير الأساليب
هو ذاك الذي يشبه «السحب الماخرة في السماء، والمياه
الجارية» كأسلوب «سولونجبو».
والأسلوب ـ بحسب الكاتب ـ مزيج من اللغة والفكر والشخصية،
وهناك أساليب تتألف من اللغة ليس إلا.
زاد الشعب:
مقالة لطه حسين يقول فيها: إن زاد الشعب هو القراءة يقبل
عليها ويشبع بها جوعه إلى العلم والمعرفة وألوان الحضارة،
إن الحث على القراءة خير ما يوجه إلى الأفراد والجماعات في
جميع الأمم والشعوب، وفي الشعوب العربية بوجه خاص، بل هو
خير ما وجه إلى الإنسان منذ تحضره إلى الآن، ولقد بدأ
تنزيل القرآن الكريم بفعل قصير خطير هو كلمة «اقرأ» فكان
أول من خوطب به النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وخوطب به
الناس من بعده، هو هذا الأمر الكريم بالقراءة.
ويتابع طه حسين فيقول: وما نعرف شيئاً يحقق للإنسان تفكيره
وتعبيره ومدنيته كالقراءة، فهي تصور التفكير على أنه أصل
لكل من يقرأ، وعلى أنه غاية لكل ما يقرأ، فالكاتب يفكر قبل
أن يكتب وأثناء كتابته، والقارئ يفكر فيما يقرأ أثناء
قراءته وبعد أن يقرأ.
هذا ولقد ضم الكتاب مقالة للكاتب ابراهيم عبد القادر
المازني بعنوان: «بين كتبي امتحان النفس»، وكذلك مقالة لـ:
خورخي لويس بورخيس بعنوان: «مكتبة بابل»، ونظراً لضيق
المجال لم نستطع عرضهما.
عموماً.. الكتاب مفيد وهام وممتع كما جاء في العنوان عن
«متعة القراءة»، ويعتبر هذا الكتاب مرجعاً هاماً لشرح
وتوضيح وتحليل العملية القرائية والكتابية وكل ما يتعلق
بشؤون الكتب والثقافة والكتابة والإبداع.. وهو مهم للمتخصص
كما للمثقف العام.
أتى هذا الخبر
من جريدة الاتحاد
http://www.alitthad.com
عنوان الرابط لهذا الخبر هو:
http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=62273
|