|
كتبهاخالد هلالي ،
في 25 أبريل 2009 الساعة: 12:32 م
تشكل الثقافة داخل
أي تجمع بشري محدود، نسقا من المفاهيم والمعارف والرموز
والمعتقدات والعادات، يشارك الجميع في إنتاجها واستهلاكها،
عبر وسائط متعددة وقنوات متنوعة. ومادامت الثقافة في بعدها
التداولي تقتضي حراكا مؤسسيا، وتناغما برامجيا، يضع
الاستراتجيات ويعمل على تفعيلها؛ فإن الانتقال من طور
الغزو الثقافي إلى مرحلة الأمن الثقافي، تتطلب وعيا حقيقيا
بكل مراحل التطور التي يعرفها العصر. والوقوف على طبيعة
التحولات التي يشهدها المحيط، بغية صياغة مشروع ثقافي
متجانس يضع البعد التنموي منهجه وأسّه.
وتشكل
القراءة جسرا تواصليا مهما، ووسيلة لاكتشاف مساحات
فكرية جديدة وتعزيز لغة التواصل، من خلال أنماط التفاعلات
التي يعرفها المشهد الثقافي برمته.
وقد كثر في الآونة
الأخيرة الحديث عن
القراءة العمومية،
وتطرق المهتمون لمداخلها ومخارجها، وللمعيقات التي تحول
دون توسيع دائرة الإقبال عليها.
وهذا ما سيفتح شهية
السؤال من جديد، كمحاولة لاكتشاف جغرافية الكتاب داخل
المغرب، وبالتالي الوقوف على ما توفره المكتبات العمومية
المغربية من خدمات. ثم نضيف هل استطاعت الجهات النسق
الثقافي العام أن يعيد الدفء لعلاقة القارئ بالكتاب؟، أم
أن ثمة إكراهات تحول دون التطبيع مع سواد الكلمات المؤثثة
لبياض الورق؟.
فعلى اعتبار أن
القراءة آلية مهمة لتنمية الذوق وبناء الشخصية
العلمية، والإطلاع بالتالي على إبداعات الفكر الإنساني
وطرق فهمه وتعاطيه مع مجريات الواقع والأحداث، فإن الناظر
في طبيعة المشهد القراءاتي في المغرب، يلحظ تدني بورصة
الإقبال على الكتاب والمكتبات، وهو ما دفع الكثير من
المهتمين إلى دق ناقوس الخطر معلنا إفلاس مقولة الجاحظ
الشهيرة الذي اعتبر الكتاب" جليسا لا يطرى, وصديقا لا
يغرى, ورفيقا لا يمل, وجارا لا يستبطي, ولا يعامل بالمكر,
ويطيع بالليل والنهار….". كل ذلك يجعل ضرورة الوقوف عن
العوامل التي ساهمت بشكل أو بآخر في هذا التدني، والتي لا
شك أن وراءها عوامل اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية
وتواصلية وتقنية….
فإذا كان معدل
القراءة في العالم العربي لا يتجاوز ست دقائق في السنة
للفرد الواحد، وإذا كان معدل نشر الكتب لا يصل كتابا واحدا
لكل ربع مليون، حسب إحصائيات حديثة تقدمت بها اليونسكو
والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم(أليسكو). فكل
ذلك، يجعل الصورة قاتمة وأفق التوقع مخيبا لأمال الناشرين
ودور الطبع والمنعشين الثقافيين. خصوصا إذا علمنا أن هذا
الرقم يتضاعف عشرات المرات في دول متقدمة.
فهل ضعف الإنتاج كاف
لوحده، لنبرر العزوف عن
القراءة؟. أم ثمة عوامل أخرى، تحول دون عودة المطبوع
إلى الواجهة؟. فلا شك أن انتشار الأمية مازال يضع سياسة
احتواء فئات عريضة، ومحاولة انقادها من تيه وظلام الجهل
بأبجديات التعلم، رغم المجهودات التي تبذلها الجهات
المسؤولة، والتي ما تزال تفتقر لطول النفس و سياسة
الاحتضان. فنصف شعب أمي ، أو أقلّ من ذلك، يجعل سوق
القراءة سوقا بائرة.
دون أن نغفل جانبا
آخر مهما يتمثل في ضعف الخدمات التي تقدمها المكتبات العمومية،
والتي مازالت تفتقر إلى سياسة واضحة، من شأنها أن تدعم
ثقافة القرب الثقافي، والمجانية في تقديم خدماتها، مثال
ذلك المكتبة الوطنية التي تفرض 100 درهم كواجب للانخراط،
في حق الطلبة الباحثين والمعطلين، مما يحرم فئات عريضة من
خدماتها، ويشجع القطيعة مع الكتاب.
دون أن نغفل طبيعة
الخدمات التي تقدمها العديد من المكتبات والتي لم تستطع
تحديث بنياتها ، ولم تستجب للتطور الحاصل في آليات
الاستجابة لطلبات القارئ، وتوفير ما يلزمه من عناوين الكتب
الجديدة، والتي تمر سنوات قبل أن تنضاف إلى رفوف تلك
المكتبات، وقد لا تتم العملية أصلا.
وهذا ما يعجل طرح
السؤال من جديد، عن الدور الذي تلعبه وزارة الثقافة، وهل
استطاعت تبني خطط تنموية ثقافية قادرة على الاستجابة إلى
تطلعات القارئ المغربي، وبالتالي تشجيعه على الإقبال على
معانقة
القراءة. لأن غياب المشروع الثقافي، وضعف الخطط
الإنمائية قد يجعل الأمن الثقافي المغربي، عاجزا عن النفاذ
إلى عمق التحولات التي تشهدها القرية الكونية، وما تطالعنا
به الفضاءات المفتوحة من تلاوين جديدة ومتموجة تجعل شهية
الإقبال على عالم النت أكثر من ذي قبل، ذلك أن تطويع
المعلومة وتقريبها من الجمهور، قد تيسر عملية الانصهار
والاستلاب.
فمتى تستطيع وزارة
الثقافة إبداع آليات جديدة، والقيام بمبادرات جريئة،
وتجاوز نمطية تدبير الحقل الثقافي المحصورة والمختزلة في
تنظيم المهرجانات ومعارض الكتب، ودعم بعض الإصدارات
والأعمال المسرحية. مما يزكي أطروحة غياب الوعي الثقافي
لدى المسؤولين عن هذه الوزارة، واختزال مقولة الثقافي في
بؤرة الانعزالية عن قطاعات أخرى فاعلة داخل منظومة الشأن
العام، مما يساهم في تمتين سياسة اللاتواصل، وهذا ما يضعف
المنظومة التدبيرية ككل.فالمطلوب أن تتجاوز عتبة رصد كل
التحولات التي يعرفها المجتمع" وكيفية تجديد المجتمع
لعلاقاته ومنظوماته الذهنية والمادية معا".كما يرى برهان
غليون.
وإذا كانت الوزارة
الوصية على الحقل الثقافي تفتقر إلى قدرة كفاياتية في
تحفيز وتشجيع
القراءة العمومية،
مادامت هياكلها التنظيمية تفتقر إلى حراكية قادرة على فرض
نمط تعاملي جديد مع الكتاب، وتمتيع معظم المكتبات بآخر
الإصدارات من خلال عقد شراكات مع جهات وقطاعات أخرى. فإن
قطاع التعليم وطرق معالجته للكثير من الإشكالات، يجعلنا
نكتشف أن طبيعة المواد المؤسسة للخريطة التعليمية، لا ترقى
إلى مستوى تشجيع
القراءة لدى الفئات الصغيرة، باعتبارها سلوكا ، ينبغي
الحفاظ على درجات كبيرة من التواصل مع الكتاب. فثقافة
توطين روح
القراءة مسؤولية يتشارك فيها أيضا إلى جانب المدرسة
الأسرة، باعتبارها المحتضن الأكبر للتلميذ.
كما أن الدور
المتسارع لوسائل الإعلام ، من شأنه أن يلعب وسيطا ناجحا في
ترويج بضاعة
القراءة، وإزالة البوار والكساد الذي أصابها منذ عقود،
وحول سوقها إلى محفل لانتشار منتوجات أغرت المتلقي بركوب
سكك أخرى من الفوضى المعرفية، والجنوح إلى لباس منهج آخر
قوامه العزوف، والانتشاء بركوب مجالات تواصلية، بقدر ما
تغريه فإنها تدخله أسر البحث عن اللامعرفة، مما يفسد الذوق
العام ويزكي ثقافة اليأس والإشاعة عن تقديم الحجة و
استشراء ثقافة الحوار والتبادل .
لكن ما يلاحظ هو أن
القطب العمومي المغربي، لم يستطع توفير ما يكفي من البرامج
القادرة على خلق نقاش جدي وهادف، من شأنه أن يضع اليد على
مكمن الداء، ويقدم وصفات علاجية تتسم بالقدرة على ضخ دم
جديد في شرايين القارئ المغربي، لفتح صفحة أخرى مع الكتاب،
وبالتالي نفض الغبار عن الكثير من الأسفار التي حولتها
عوداي النسيان والإهمال إلى ركام من الغبار الذي يتطاير
كلما اقترب منها خاطب وُدّ جديد، وراغب في الزواج.
لأن خير جليس في
الأنام كتاب .
خالد هلالي.
-
افة القراءة العمومية
بالمغرب
- [
Traduire cette page ]
25 نيسان (إبريل)
2009 ... فنصف شعب أمي ، أو أقلّ من ذلك، يجعل سوق القراءة
سوقا بائرة. دون أن نغفل جانبا آخر مهما يتمثل في ضعف
الخدمات التي تقدمها المكتبات العمومية، ...
attawasol.maktoobblog.com/.../ثقافة-القراءة-العمومية-بالمغرب
|