|
أين وصلت مخططات محاربة ظاهرة عمالة الأطفال بولاية
فاس!؟
محمــد حـــرودي
ماذا يقع عندما يصبح الطفل ضحية لمظاهر الإقصاء الاجتماعـي، والتفكك
الأسري، و الطلاق، و الفقر، و الهجرة القروية و انقياد الطفل
العامل لوهم الاستقلالية الاقتصادية عن البيت أو مطلب إعالة
أهله المنكوبين!؟ النتائج تكون بلا شك وبالا خصوصا بالنسبة
للبيوت ذات القاعدة الاقتصادية و الثقافية الهشة•فأين وصلت
إذن مخططات و برامج محاربة عمالة الأطفال بولاية
فاس و التي أجمع الكل على أنها ظاهرة معيقة للمجتمع اجتماعيا و
اقتصاديا؟•
فقبل ست سنوات من الآن، أطلق في فاس برنامج مكافحة
تشغيل الأطفال في الصناعة التقليدية تحت
رعاية ممثلية اليونيسيف بالمغرب و بتعاون مع قطاعات حكومية
و فعاليات من المجتمع المدني تماشيا مع الإطار المرجعي لأول
مخطط وطني لمحاربة تشغيل الأطفال الذي تمت صياغته سنة 1999،حيث
أفادت حينها آخر المعطيات بأن 36 ألف طفل يعملون في قطاع الصناعة
التقليدية بفاس من مجموع 600 ألف طفل عامل على المستوى الوطني•وقد
تمكن هذا البرنامج من تحقيق نتائج لا يستهان بها غير أن بؤر
مقاومته ما تزال منتشرة و مستويات التجاوب مع حملاته
التحسيسية متفاوتة••هناك بتلك الفضاءات بالمدينة العتيقة
لفاس ،التي تختزل ذاكرة الإبداع الفني للإنسان المغربي عبر
العصور،حيث الدروب الالتفافية و الأزقة الضيقة ما يزال أطفال
صغار يصنعون الحركة في فضاءات الدكاكين و المشاغل و هم منهمكون في
عملهم،أطفال ينقشون بمهارة الخبير على صحن نحاسي ثبتوه على ركبتيهم
و هم يبدون كجينات تضمن تجدد نسل إرث يحرص عليه الفاسيون
كجزء أصيل من هويتهم••لكن بأي ثمن و في أية ظروف!؟ فالأوضاع
المادية للأسرة و الإخفاق المدرسي و إكراهات أخرى لا تعد و
لا تحصى غيرت وجهة العديد من الأطفال من باب المدرسة إلى
دار "المعلم"••عمر الذي لم يكمل سنته الثانية عشر بعد،يقضي
يوم عمله بين المحل و بين دروب فاس البالي التي يجوبها محملا
بشحنات الصفائح المعدنية،فهو يعمل من الثامنة صباحا إلى السادسة
مساء مقابل 20 درهما يحصل عليها كأجر عند آخر كل يوم ليحول
هذا المبلغ كاملا إلى والدته التي تجازيه برضا
الوالدين••زقاق يفضي إلى زقاق حيث لمحنا محلات ووحدات
لمعالجة صفائح النحاس و الفضة و التقينا بالطفل حسن الذي
بمجرد ما اقتربنا منه حتى راح يشير إلى أظافره و قد غشاها الاصفرار و
الخدوش المتناثرة على يديه و الحروق الظاهرة عليها و قد طبعتها
القطرات الهاربة للأسيد المستعمل في تنظيف المعدن على
ذراعيه النحيفتين•غير أن الافت في هذا العامل الصغير هو أنه
يتحدث بمكابرة عن ظروفه المهنية فيقولالعمل مرهق،لكنني
اعتدت على الأجواء و على زملائي من الأطفال بالوحدة ،كما
أنني اعتدت على مصروف الجيب ليوم الجمعة، أما عطلة الأسبوع فهي غير
مؤداة••الوقت اصعابت أخاي و الله وما قفَّّلت لا فورت•• باش بغيتي
نقرأ؟ باش ناكل؟باش نلبس؟ خصني نخدم على راسي•أما القوانين
و برامج حماية الطفولة•• كلام خاوي خصنا الخبز فين هو،
العيش الكريم ما كيتكلم عليه حتى واحد؟ هكذا أحسسنا من خلال
بعض الكلمات التي عجز عن إخراجها هذا العامل الصغير بان هذا
الأخير يشير إلى مسؤولية الدولة و مراكز القرار بالبلاد في
معالجة أوضاع الأسر الفقيرة و الأطفال المتخلى عنهم و الذين هم في وضعية
صعبة وفق المقاربة الشمولية للحل و في إطار سياسة القرب التي تمنح
الأسر المحتاجة وسائل التكفل بأبنائها ليس فقط على المستوى
المادي بل أيضا على المستوى الاجتماعي•فالعارف بأغوار
الوحدات الصناعية المنتشرة بالمدينة العتيقة يسجل حضور
الفتيات الصغيرات في الحرف التقليدية التي ارتبطت سابقا
بالعالم الذكوري،عشرات الفتيات الصغيرات يشتغلن و قاسمهن المشترك انحدارهن
من عائلات فقيرات،بعضهن ارتاد المدرسة لمدة معينة فيما لم يسبق
للأخريات ولوج عالم القراءة و الكتابة•فأعمال تنظيف و تلميع
القطع المعدنية جعل التشققات تبدو على أيادي العاملات
الصغيرات فيما تعاني بعضهن من الاعوجاج في عظام اليد و تقوس
على مستوى العمود الفقري بسبب حركات النسيج المتواترة
بإيقاع آلي••فأوضاعهن الاقتصادية و الاجتماعية دفعتهن إلى سوق العمل و إلى
تعلم أسرار الحرفة بنباهة عالية و حرفية كبيرة مما جعل جل "
المعلمين و المعلمات" يقبلون بشكل متزايد على سواعد
العاملات و العمال الصغار الذين يرون فيهم حماة الإرث
التاريخي و الخلف الصالح و الضامن لاستمرار الصناعة
التقليدية بكل أشكالها و أنواعها و دروبها•فمجمع الصناعة التقليدية بفاس
تقول "المعلمة" حليمة التي بدت متحسرة،كان يعج بالفتيات الصغيرات
اللواتي يتلقين حرفة الزرابي مبكرا،قبل أن يداهمهن برنامج
مكافحة تشغيل الأطفال،و النتيجة هاهي بادية أمام الجميع،
القطاع أصبح يعيش آخر أطوار تخريبه لكون دعاة حماية حقوق
الطفولة أصروا على ترك الصنعة يتيمة بدون خلف•فالأطفال -
تضيف "المعلمة" حليمة - يقضون ساعات طوالا في مساعدة
آبائهم بالحقل و بأشغال البيت المرهقة و
لا أحد يتحدث عن حقوق الطفل•و في ذات السياق لم يخف أحد
المتتبعين لخبايا هذا الملف بفاس استغرابه لسياسة " عين ميكة"
التي تقابل بها عمالة الأطفال في مناحي متعددة و
قطاعات أخرى كظاهرة "أطفال الديطاي" و ماسحي
الأحذية و بائعي الجرائد و كذا الأطفال الذين
يعملون بوحدات إصلاح السيارات و النجارة العصرية و الحدادة و جمع
محتويات القمامة بقصد إعادة تصنيعها و اللائحة طويلة،هذا في
الوقت الذي سلطت فيه ترسانة المراقبة و الزجر على عمالة
الأطفال ببعض وحدات الصناعة التقليدية بفاس• و في خضم هذا
السجال القائم بين " المعلمين" ذوي الحرف التقليدية من جهة
و حماة حقوق الطفل بفاس من جهة ثانية فقد أجمع جل الباحثين و المهتمين
بموضوع محاربة عمالة الأطفال بولاية فاس على اتساع الفجوة بين
محدودية الزجر وواجب العمل البنيوي المستدام لإنقاذ الطفولة
من براثين الإقصاء الاجتماعي و الحرمان و التهميش،فقد شكل
إصلاح مدونة الشغل- بحسب نظرهم-
بالتنصيص على رفع سن التشغيل من 12 إلى 15 سنة نقطة تحول جوهرية في تعزيز
الإطار المرجعي لمكافحة تشغيل الأطفال،غير أن الفراغات و النواقص
القانونية في الإطار التشريعي دفع البعض ،كما كشفت عن ذلك بعض
المصادر، إلى استغلالها و توظيفها لصالح أوراشهم على اعتبار
أن المدونة لا تنطبق سوى على الوحدات الصناعية التي تشغل
أكثر من خمسة أشخاص مع رأسمال أدنى معين،و هو ما اعتبره
مفتشو الشغل قيدا نصيا يواجه آليات المراقبة و المتابعة
ميدانيا•كما أن ضعف متابعة قضاء الشغل للمحاضر التي يحررها جهاز
التفتيش انعكس بالسلب على فعالية و هيبة نظام المراقبة في مجال
شروط عمل الصغار، مما جعل القاعدة القانونية و المقاربة
الزجرية على أهميتها قاصرتين في إحداث خرق هيكلي في عمق
ظاهرة عمالة الأطفال الذين أضحوا أكثر من أي وقت مضى بفعل
أوضاعهم الاجتماعية و قلة ذات اليد مصرين على ولوج عالم
المسؤولية السابقة لأوانها مقابل تخليهم عن عالم الطفولة و
التحصيل••ليبقى السؤال ذاته " لماذا يشتغل الأطفال بالمغرب!؟" يطرح نفسه
بإلحاح على كل الجهات التي يعنيها أمر الطفولة بهذا الوطن و التي
هي مطالبة بالإجابات الشافية•
2007/1/17
الإنحاد الإشتراكي
|