في الصحافة

 

الى كل العاملين في حقل المخيمات التربوية

قبل أن يفوت الأوان

اعترفت المواثيق والحضارات بمبادئ وقيم حقوق الأطفال و منها الحق في الترفيه والراحة واللعب و الأنشطة الترويحية الخاصة به ( خاصة المادة 31 من اتفاقية حقوق الطفل)، و تطور الاتفاق حول الوقت الحر و أهميته و مكانته في تنشئة مجتمعية للطفل،

ورغم اختلاف آليات تطبيق هذه الحقوق من شعب لآخر ومن دولة لأخرى، فان انتماء فعاليات و أنشطة لهذا الحق أو ذاك تؤكد روح التقدم والحداثة التي يسعيان إليهما أصحاب المبادرات، وكلما كانت مدروسة ومجربة كلما كانت متداولة وقابلة لإجماع الأطراف المعنية، ومن ذلك المخيمات الصيفية أو التربوية ومراكز الترفيه و أنشطة الهواء الطلق.

1.   و بلادنا ضمن العديد من الدول - وقبل العديد من الأخريات - التي مارست هذا النشاط كواحد من الأنشطة التي لقت لدى المجتمع القبول لدى استيرادها لأنها مشابهة أو قريبة من ممارسات مجتمعية سابقة  قد تختلف من منطقة لأخرى ومن جيل لآخر، وتطور هذا النشاط واتخذ عدة أشكال وألوان، وحظي حسب المهتمين به بالاهتمام بفروق واضحة بسبب عدة ظروف، ولكنه لازال لم ينتزع الاعتراف بموقعه الذي يرقى الى مستوى مؤسسة مجتمعية  مثل باقي المؤسسات التي تؤثر في تنشئة الطفولة وتربيتها بشكل أو بآخر - وهذا راجع الى نفس الرؤيا التي لا زالت سلبية من الوقت الحر والترفيه ذاته - وبذلك يصبح قادرا من ذاته على فرض تطوره وتعميق اختياراته لا أن يبقى في هامش الاهتمامات و عند نزوات الراغبين في استعماله.

2.   وأخذ هذا التطور عدة مظاهر، فالمجهودات الايجابية المسجلة في هذا الباب ومنها تنوع ملحوظ في المهتمين به وبذلك تكاثر عدد المتدخلين، وتطور عدد المستفيدين وبذلك انتقل الاهتمام الى فئات عريضة أخرجت القطاع من دائرة ضيقة الى أخرى أوسع بكثير، و سجلت مبادرات إبداعية رغبة واضحة لدى البعض في التطوير و حاجة الآخرين في تنويع النشاط ذاته، ومحاولات الخروج من فضاءاته التقليدية التي تسجل الرغبة الايجابية للبعض، سواء لدى التنظيمات الحكومية او غير الحكومية.   

3.   أما السلبيات المسجلة في هذا التطور ذاته، فهي في ضعف مضمون دراسة الموضوع أولا، حيث المقاربات التي أجريت لحد الآن محدودة بين الفاعلين أنفسهم ولم تتعداهم الى دراسات علمية منهجية للحاجيات الحقيقية للطفولة والشباب في هذا الميدان و للأشكال الممكن تعبئتها والإمكانات المتوفرة ومدى مطابقتها لمخيمات تستجيب لرغبات الأطفال وآبائهم في نفس الوقت، ثم هناك ضعف عدد المستفيدين مقارنة مع الذين هم في سن التخييم بالرغم من مجهود رفع عدد المستفيدين الى 250 ألف، وقلة الإمكانيات المادية المرصودة للقطاع ومحدودية الفضاءات المخصصة والموروث أغلبها عن الاستعمار، وغياب إرادة لتخصيص  الفضاءات التي يمكن تحويلها لهذا النشاط بصفة نهائية أو مؤقتة، وغياب إطار قانوني واضح للعاملين في الميدان متطوعين و مأجورين وانعدام أي تطور لمحتوى التكوين المحصل عليه للعاملين في هذا الميدان، ومؤسسة ترقى الى مستوى التخطيط وتتبع التدبير والتنسيق للقطاع ككل وليس للاستشارة الجزئية في القطاع الحكومي الذي لا يشرف - فعليا- إلا على جزء محدود من النشاط مع إدماج جزء من العاملين واستبعاد آخرين.

4.   وقبل ذاك فان كانت العطلة المدرسية تعني الاستراحة من عناء سنة دراسية، فإنها تعني كذلك بالنسبة للآباء فترة فراغ وربما ضياع بالنسبة لمستوى من الحياة وانتظامها طوال سنة كاملة، فترة غير مأمونة، فهي فترة متاعب بالنسبة للأسرة المغربية، والسؤال المطروح هل ساهم المخيم في حل هذه المعضلة وكيف يمكن أن يساهم في حل أوسع واشمل لهذه الاعداد الغفيرة من الأطفال - على الأقل الممدرسين منهم-..

5.   وعلى المستوى  العملي  تعرف بلادنا تدبيرا لقطاع المخيمات لا يرقى الى ما يستحقه من حيث عدم تعميم أنظمته على الجميع ومن حيث ضعف التأطير والميزانيات المرصودة، وكذا نوع الإطار القانوني الذي ناضلت من أجله الجمعيات والذي عرف منذ التراجع عن المجلس الأعلى للشباب الى لجنة للتنسيق في الستينيات ثم الى لجنة وطنية في الثمانينيات ميعت بتلحيمها بجمعيات سياسية في التسعينيات تدنيا الى هيأة تتداخل مع اختصاصات هزيلة لتوزيع المقاعد و الفضاءات، ومن جهة أخرى كان رفع عدد المستفيدين الى حوالي 250 ألف قفزة نوعية/ كمية متميزة -ولو أنها ناقصة ويتيمة بالنسبة للمطالب الأخرى-، استفادت منها مع الأسف جهات استخدمت المقاعد الممنوحة في أغراض سياسية انتخابية وجهات أخرى لا علاقة لها لا بالتربية ولا بالتنشيط التربوي، ولا يمكن نسيان أن الرفع من الاعداد لا يستند الى مرجعية ثابتة لأنه خارج الميزانية المبرمجة للقطاع، ومن جهة ثالثة تراجعت الفضاءات المخصصة للمخيمات بشكل دائم  بإقفال بعضها! وعدم الحسم في وضعيتها ووضعية تأطيرها الدائم، ثم إنه  عند مبادرة فتح فضاءات المدارس الحكومية لاستغلالها وقع عدم ضبط إيقاع الوزارتين (الشبيبة والتعليم) مما انعكس سلبا على المبادرة، وعرف القطاع من جهة رابعة تصاعد المتاجرة فيه سواء على مستوى مخيمات الجمعيات ( أي الشبيبة والرياضة ) أو على مستوى القطاع الخاص حيث بدأت بلادنا تعرف "فتح" مخيمات حرة خارجة عن  الإطار القانوني لفتح المخيمات الذي يعود فقط للقطاع الحكومي المكلف بالشبيبة والرياضة، هذا بغض النظر عن التدبدب في تحسين شروط استقبال و إيواء وتغذية وتنشيط المستفيدين من المخيمات حيث انه ليست هناك خطة علمية ولا توازن بين الجهات والمخيمات ولا تغطية كاملة للحد الأدنى لا لأشغال الصيانة و الإصلاح فقط بل كذلك لتجديد الأدوات والمعدات، و أخيرا إشكالية منح التغذية التي لم تعرف أية زيادة والتي ستتعرض لامتحان عسير - مع موجة تصاعد الأسعار الحالية- خصوصا وان نظام صرفها نفسه لم يتطور بالشكل الملائم.( بدون نسيان مشاكل التأمين والتطبيب وانعدام معايير الأمن والسلامة في المخيمات، ونقل الأطفال والتي يجب أن تجد لها حلا يراعي حالة الآباء والعائلات من جهة ويحمي المنظمات وينظم القطاع باختصار.)، ثم مشكل الفضاءات الحالية ونسبة مقياس ضرورة التوفر على فضاءات ضمن منشئات الجماعات والجهات.     

6.   وبدون التحيز لأي موقف من الواقع الحالي للمخيمات بكل ايجابياته وسلبياته التي يجب تدارسها، وبدون الحكم المسبق على مبادرات الخروج من أزمة المخيمات كما هي معروفة لدى العاملين في القطاع عموما وكما تمت معالجتها بصفة رسمية أو اقتراحات المنظمات والهيئات المهتمة كليا بالتخييم ، ورغبة  في إشراك الجميع – قبل فوات الأوان –  فان المطلوب اليوم هو تكثيف جهود العاملين والغيورين والمستفيدين من أجل ضمان مستقبل القطاع ككل، مستقبل يساهم في تطويره الجميع كل من الموقع الذي اختاره، حيث يمكن مدارسة الموضوع وتشخيص الوضعية الحالية للقطاع بالعاملين فيه والمستفيدين الحاليين والمحتملين و الفضاءات الحالية والممكن تحويلها والتي يمكن إضافتها و التأطير اللازم... و الإطار القانوني الذي يسمح بسن خطة وطنية واضحة المعالم و بإشراك أصحاب الحق في رسم الخطة والسهر على تنفيذها قبل أن تهمش أكثر أو يقع التطاول عليها من طرف جهات أصبحت تتطاول على ميادين ليست من اختصاصها، في زمن تغيرت فيه الأدوار الكلاسيكية للدولة ويستبق البعض الى الحلول محلها قبل فوات الأوان، زمننا اليوم هو إعادة توزيع الأدوار بين الدولة التي عليها أن تقوى دورها في المراقبة والتقنين والتكوين والمجتمع المدني بالحركة الجمعوية المعروفة بمبادئها وتراكم تجاربها بتعميق أنشطتها التعبوية للشباب و بلورت إبداعاتها ومبادئها و أساليبها التربوية المختلفة.

7.   فإذا كانت التنمية تعني جهدا واعيا مخططا له لتحسين ظروف المستقبل وتقوم على توظيف كافة الجهود، وتوسيع مجالات النشاط الإنساني، وتعزيز القدرات الإنسانية، ومشاركة فعالة من المجتمع. فإن الأساليب التربوية الهادفة تسعى دائما إلى إيجاد فعاليات ملتزمة ترتكز على استلهام الأصالة والتطلع إلى الحداثة من خلال خلق وتنظيم وتدبير بيئات ثقافية تربوية تربي وتنمي المستهدفين وقدراتهم الإبداعية لتنمية شخصية متوازنة متكاملة لكل إنسان في كل مكان. فالأطفال والشباب هم أكثر الفئات العمرية استجابة للتغير الاجتماعي والثقافي، ومن ثم فهم  المرشحون للتطور والتغيير في المستقبل. والاستثمار البشري يجب أن يصبح استثمارا فعليا لا شعارا براقا فقط.

8. ولذلك وجب على المهتمين والفاعلين الحقيقيين في الميدان تكثيف طاقاتهم و مجهوداتهم من أجل الزيادة في الاهتمام بالمخيم كوسيلة تربوية هادفة والزيادة والرفع من مساهمة الجميع في النهوض بالقطاع ككل من خلال البحث عن صيغة مثلى للدفع بالقطاع والعمل التربوي خارج المزايدات بل التفكير في ما يسمح بوضع مبادرات ومبادئ و أهداف الحركات الجمعوية قيد التطبيق بشكل جماعي و بكل حرية وضمن خطة واضحة المنطلقات والأهداف، من أجل اختلاف خلاق وهادف وعمل منتج ينقذ هذه المؤسسة وينقلها الى مصاف مؤسسات تربوية أخرى يعترف لها المجتمع بموقعها ودورها في التنشئة، حيث تكون الجهات والقطاعات التي تشرف بشكل مباشر وغير مباشر في رعاية وتأمين حياة البشر مساهمة في المخيم سواء من حيث إيجاده كفضاء أو تدبيره كمجال .

9.    فمن أجل أن نجعل المخيم – بحق - مؤسسة ضمن المؤسسات المجتمعية التربوية تساعد على تربية الطفل والترفيه عنه وتقوية مداركه الاجتماعية، وان نعمل على تعميم الاستفادة من عطلة منظمة تربوية لغالبية الأطفال، علينا أن نقوم بمبادرة تدارس حالة ومستقبل المخيم التربوي في بلادنا من أجل خطة وطنية واضحة المعالم، قبل أن يصبح من حق آخرين القيام بذلك لغيابنا نحن عنه، أو أن يبقى في هامش تفكير المسؤولين، أي في موقع ثانوي الى أن يقرروا هم أنه أصبح ملحا ومستعجلا ويدخل صمن الأولويات وله مكانة ضمن التنمية، أي قبل أن يفوت الأوان. لقد حان الوقت للتوافق حول خطة وطنية مندمجة ضمن خطة التنمية البشرية برؤاها الحالية تنتزع للمخيم موقعا حقيقيا بالنظر لدوره التربوي المؤكد، وهو المكمل للمدرسة والأسرة في الحق في التعلم والتكوين والترفيه وفي بنيان أجيال المستقبل.

 

ونحن على أبواب العطلة المدرسية وقبل حلول موسم المخيمات الصيفية لهذه السنة، وبالنظر لما يلوح في الأفق من صعوبات حول غلاء المعيشة بالخصوص ودخول شهر الصيام في العطلة الصيفية، وبعد أن انتهى فصل التكوينات والتداريب الخريفية والربيعية بما لها و ما عليها، وفي غياب نظرة شمولية مشتركة بين المنظمات والوزارة الوصية على الميدان، قد يقول قائل انه من الصعوبة بمكان عقد لقاءات على شكل مناظرة أو مدارسة تمكن من إنتاج ما يمكن القيام به ابتداء من صيف 2008، إلا أننا بحكم تجربتنا المتواضعة نظن انه من الممكن القيام بمبادرات تكون مؤشرات حقيقية على الرغبة في الانتقال من الوضعية الحالية التي تتسم يتراجع المخيمات شكلا ومضمونا ومن ذلك مثلا التراجع عن مرحلة 15 يوم التي أقرت يوما بصفة استثنائية ودامت الى الآن حوالي 30 سنة وذلك من أجل عطلة مفيدة لتغيير جو صحي مفيد بالرجوع الى مرحلة 21 يوما التي يمكنها أن تأخذ بعين الاعتبار منطق عدم التخييم أثناء شهر رمضان، وبالتالي ننهي مع هذا الاستثناء الذي بلغ حد مخيمات 10 أيام. وكذا تأسيس فرق عمل مشتركة من الجمعويين والسلطات الحكومية المكلفة والمهتمة بالموضوع لدراسة حالة المخيمات المادية والاتصال عن قرب بالفاعلين في خضم تجربتهم من أجل بلورة تصور موحد عن صيغة مثلى للقاء الحاسم.  بغض النظر عن تعبئة جيدة للأطر الحكومية و الطواقم التقنية لمواكبة كل مراحل التحضير و الاعداد ليس فقط في "تجيير" المخيمات ولكن بالسهر على الانضباط للقوانين الجاري بها العمل ومساعدة التنظيمات على حل معضلات الفحوص والنقل والرخص و الأدوات .

َمحمد المذكوري

عضو حركة الطفولة الشعبية

نشر في جريدة الاتحاد الاشتراكي يوم 13 ماي 2008

العدد 8869

 

 

حركة الطفولة الشعبية - صندوق البريد 205 البريد المركزي الرباط - الهانف و الفاكس : 76 15 69 037

  kitaba@tofolachaabia.com  لمراسلة كتابة الحركة / site@tofolachaabia.com لمراسلة الموقع 

mouvement tofola chaabia >BP 205 rabat centre - Tel / Fax: 037 69 15 76