يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي

وقفة وفاء وحب

 

 

 

 

 

 

 

 


 

كلمة قدماء ثانويّة النهضة بسلا:
 

الأستاذ عبد الوهاب المريني

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

السيّدة الفاضلة أرملة الفقيد الطاهر؛

بناته وولده؛

إخوته وعائلته الصغيرة؛

عائلته الجمعويّة حركة الطفولة الشعبية؛

أيّها السيّدات والسادة:

لم أعلم إلاّ البارحة وفي هذه القاعة بخبر وفاة الأخ الطاهر بورحى؛ عندما سلّمني أحد الإخوة بطاقة موشّحة بالسواد تتضمّن دعوة لحضور الذكرى الأربعينيّة؛ وطلب منّي المشاركة في تأبينه اليوم؛ وما كان لي أن أرفض؛ وحتّى ولم يطلب منّي ذلك؛ لقمت به من تلقاء نفسي؛ بعد إذن المنظّمين بالطبع.

كانت الصدمة؛ بقدر قوّتها مفاجئة؛ ولذلك فإنّني متألِّم جدّاً للوفاة ومتألِّم جدّاً جدّاً لعدم علمي بها في وقتها وعدم مشاركتي في جنازته وتشييعه إلى مثواه الأخير؛ فعذراً لعائلته وذويه؛ وعذراً له في قبره.

من أصعب اللحظات في حياة أيّ واحد منّا أن يجد نفسه في مثل هذا الموقف؛ أي حينما يطلب منه الحديث عن الآخر بضمير الغائب. من الصعب جدّاً أن تقف في مثل هذا الموقف لتودّع بالتأبين صديقاً عزيزاً غاب إلى الأبد كما هو حالي اليوم مع الطاهر.

لقد فقدت خلال الأيّام الماضية شخصين عزيزين عليّ؛ فقدت خالي الطاهر زنيبر؛ وفقدت صديقي الطاهر بورحى، وكم هو صعب على نفسي فقدان طاهرين؛ في هذا الزمن الرديء.

تعود علاقتي بالطاهر بورحى إلي بداية الستينيّات من القرن الماضي، كنّا أيّامها فتياناً في سنّ المراهقة. لم نكن زملاء قسم دراسيّ؛ ولا أصدقاء درب أو حيّ، لكن ما جمعنا وخلق المحبّة والودّ بيننا اللذين داما سنوات طويلة هو فضاء خاص متميّز؛ كان فضاء مشتركاً بين عدد من أبناء سلا؛ كان فضاء منحوتاً في الزمن والمكان، لم يتكرّر أبداً فيما بعد، إنّه فضاء المسجد الأعظم بسلا. كان موضوع اللقاء ومحور الفضاء من طبيعة خاصّة، كان فضاء دينيّاً؛ تعليميّاً؛ اجتماعيّاً؛ تنشيطيّاً، وكان يشرف عليه ويؤطّره ويتبنّاه شيخ وقور شاءت الأقدار أن يكون هو والدي المرحوم الفقيه الحاج محمّد المريني. كان والدي مهووساً بشيء يملأ عليه كيانه ويأخذ بجوارحه، وهو التربية والتنشئة الدينيّة للصغار وتعليمهم اللغة العربيّة وقواعد العبادات والأخلاق خارج فضاءات المدارس وبيوت الأسر. لذلك كان تلامذته وروّاد مجالسه فتياناً متقاربي الأعمار من مختلف الأحياء المجاورة للمسجد؛ ومن عدد من المدارس؛ بعضهم من المدرسة المحمّديّة التي كان الوالد يديرها؛ وبعضهم من مدارس أخرى.

كنّا نلتقي جميعاً بالمسجد الأعظم عند أذان المغرب؛ فنصلّيها ونقرأ حزب القرآن جماعة تحت الإدارة الصارمة للإمام، وبعد ذلك نتوجّه جميعاً – حوالي ثلاثين أو أربعين تلميذاً - إلى ضريح سيدي عبد الله بن حسّون لنتحلّق حول نفس الشخص نتلقّى عنه دروساً في النحو وفقه العبادات والسيرة النبويّة. كان يدرّس لنا الآجروميّة وابن عاشر والأحاديث الأربعين النبويّة. كان لنا إذن موعد يوميّ ثابت مع هذا البرنامج الموازي للتربية والتعليم، والذي كان الالتزام بحضوره والمشاركة فيه عفويّاً وتلقائيّاً.

لم تكن لي قبل هذه اللقاءات معرفة سابقة بالطاهر بورحى؛ فلا أذكر متى التحق بنا في المجموعة، ولكنّي أتذكّر جيّداً أنّنا أصبحنا زملاء مسجد ولعب وتلمذة وأصدقاء سنوات طويلة إلى أن فجعت بخبر وفاته رحمه الله.

كان الطاهر خجولاً حيِيّاً؛ قليل الكلام؛ كتوماً؛ لكنّه كان يتميّز بابتسامة بريئة لا تفارق محيّاه ولا يمكن أن تنساها؛ فتضيئه وتحبّبه إليك؛ وتجعلك تحسّ بالأمان معه.

كان هادئاً قليل الصخب يتكلّم بصوت منخفض؛ ولكنّه كان في ذات الوقت مَهيباً ومُهاباً؛ قويّاً وعنيفاً عندما يحاول بعض أصدقائنا استفزازه بلمز أو غمز. كان معيار الشجاعة والكرامة حينها هو النزال الجسديّ؛ الذي كانت رحاه تدور بساحة باب مصدّق؛ خلف بناية المسجد، وكانت الغلبة له في معظم الأحيان؛ فقد كان على صغر جسده قويّ البنية والشكيمة.

وشاءت الأقدار أن نفترق لأسباب مختلفة عدّة سنوات، ثمّ التقينا من جديد في إطار فضاء آخر؛ كان بدأ يستهويه ويحتويه ويشغله؛ إنّه الفضاء الجمعويّ. ولعلّ البداية كانت مع الجمعيّة المغربيّة لتربية الشبيبة (لاميج) في مقرّها بسوق الغزل تحت إدارة وإشراف المرحوم الأخ محمّد السملاليّ. لم أكن مثله منغمساً في ذلك الفضاء الذي تابع مسيرته فيه مع حركة الطفولة الشعبيّة التي أدمن على الإخلاص لها إلى آخر عمره.

التقيته بعد ذلك في نهاية السبعينيّات في فضاء آخر وساحة معارك أخرى، هو فضاء العمل السياسيّ والجماعيّ. في هذه المرحلة اكتشفت شخصيّة أخرى في الطاهر؛ شخصيّة المناضل السياسيّ الصلب؛ المخلص؛ النزيه؛ العامل بصمت ونكران ذات؛ بتجرّد وتضحية منقطعة النظير. لا أنسى أبداً حضوره اللافت في الحملة الانتخابيّة الأولى للمجلس البلديّ لسنة 1977؛ وقدرته الفائقة على تنظيم اللقاءات والاجتماعات في المنازل؛ وقدرته على الحركة ليلاً ونهاراً لتوزيع المنشورات الانتخابيّة وإلصاق الصور وأوراق الدعاية على الحيطان، في ذلك الوقت كانت جميع الجدران مباحة لنا؛ ولم يقيّد استعمالها إلا في بداية التسعينيّات. اكتشفت خلال تلك الانتخابات وخلال الانتخابات البرلمانيّة الموالية طاهراً آخر؛ شحنة من النشاط والحيويّة؛ طاقة متفجّرة من العطاء وقدرة فائقة على التنظيم والتواصل. لن أنسى أبداً مساندته القويّة لي ودعمه اللا محدود في انتخابات البرلمان لسنة 1984؛ عندما ألقي بي مرشَّحاً في مستنقع الفساد الانتخابيّ؛ في أخطر دائرة انتخابيّة في سلا؛ وهي دائرة تابريكت العليا واحصين وسيدي بوقناديل. كانت دائرة المنفى؛ وكان فريق العمل معي ضعيفاً قليل العدد يتكوّن من فئة محدودة من الأصدقاء؛ كان أبرزهم دون منازع هو المرحوم الطاهر بورحى.

وبعدت المسافات بيننا من جديد؛ وإن كان الودّ والحبّ لم ينقطعا أبداً، وكنّا نلتقي من حين لآخر؛ ويا لسخريّة ومكر الصدف؛ في مناسبات ألم وحزن؛ في جنازة أو عزاء واحد ممّن نعرفهم معاً. وتشاء الأقدار أن نلتقي اليوم في مناسبة عزاء وجنازة؛ ولكن المتوفّى هو الطاهر بورحي.

فإلى نفسي أوّلاً أعزّيها في فقدان صديق مخلص وطاهر؛ ,وإلى أرملته المحترمة وأبنائه أشدّ على أيديهم وأدعو لهم بالصبر والجلد؛ وإلى حركة الطفولة الشعبيّة قيادة وأطراً وأطفالاً وشباباً؛ أعزّيهم في فقدان عنصر لامع ومناضل جمعويّ فذّ، وفي ذات الوقت أحيّيهم جميعاً على الوفاء الذي برهنوا عليه بتنظيم هذا التأبين .

رحمك الله يا طاهر وأسكنك فسيح جنانه وغفر لك،

﴿ إنّا لله وإنّا إليه راجعون .

سلا في يوم الجمعة 27 صفر الخير 1431؛ الموافق 12 يبراير 2010