|
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي |
تحية لك الأخ الطاهر، تحية للهو
|
|
كلمة المكتب المركزي في الحفل التأبيني للمرحوم الطاهر بورحى بقاعة عمالة سلا يوم الجمعة 12 فبراير 2010
الأستاذ امحمّد المذكوري
عندما اقتنينا تجهيزات البئر في مخيمّ عين خرزوزة صيف سنة 1997 ووضعناها في البدء على أعلى قاعدة خيمة عند مدخل مخيّم الأرنب يساراً، وتحلّقنا حولها فرحين بهذا الإنجاز، لأنّنا سنربط البئر بالمخيّمين اللذين أقفلا لأكثر من عشر سنوات عمداً، ولأنّنا نجحنا في تحدٍّ إضافيّ، قال لنا الهو المرحوم الطاهر: " هنا سنبني زاوية ويكون بها قبري بعد وفاتي ". وعندما لم نتمكّن من استعراض أطفالنا كما كان مقرّراً بأزرو يوم الخرجة الكبرى في مهرجان الوحدة صيف 1979، الذي نظّم بمناسبة السنة الدوليّة لحقوق الطفل، وقرّرنا الانسحاب بعد أن وضعنا عند مدخل قيادة المخيّمات الأقنعة واللافتات والرايات التي كان يحملها ويتزيّن بها أكثر من 750 طفلاً وطفلة، تدخّل الهو، وربّما لأوّل مرّة في حياته، وسيّر نشيد " هوى وطني فوق كلّ هوى "، فانطلقت مباشرة مجموعة أناشيد وطنيّة ملتزمة، وتأخّرنا يومها في الرجوع إلى المخيّم للقيام بجولة في المدينة حتّى نراقب بعض المتخلّفين عن الركب. رجعنا إلى المخيّم على الأرجل، وكان على طول الطريق ينشد ويردّد ويعيد " هوى وطني فوق كلّ هوى، جرى في عروقي مجرى دمي "، وعند اجتماع الأطر ليلاً رفض أن يعتبر ذاك هزيمة وشدّد على بلورة إيجابيّات الموقف. وسنوات بعد ذلك عندما استقبلنا بعض الضيوف المميّزين في افتتاح المؤتمر الفكريّ الأوّل ببوزنيقة يوم 21 مارس 2009، وكان الهو آنذاك قد فقد سمعه بشكل يصعب عليه تتبّع النقاشات والأحاديث، ألحّ على أن تكون مساهمته في ذاك اليوم هو تقديم الحلوى للمدعوّين، ورفض أن يستريح من عناء تكبّده لوحده لنفس السبب حيث حضر لوحده في الصباح ورتّب كلّ محتويات جميع المحفظات التي وزّعت على المؤتمرين والمدعوّين والصحفيّين. وعندما بلغ إلى علم الهو أنّ لجنة من نوع معيّن ستقوم بزيارة لمخيّم الهرهورة صيف 1983، وكان ذلك فقط عند اليوم الأوّل أو الثاني، اجتمع بكلّ الأطر بعد نوم الأطفال وأخبرهم بموعد الزيارة ورسم توجّهات التحضير لذلك، بعدها بدأ بعض الإخوان في إبداع أنشودة خاصّة بالطاهر وهو يشجّعهم ويردّد إلى جانبهم: " والطاهر كسحت الليل ، نيفو عرقان معا المشاغبين، سبّورة النشر تنزل في ذاك الليل ". وعندما زارنا في مخيّم خرزوزة وفد أجنبيّ مكوّن من مسؤولي منظّمات صديقة وشقيقة من فرنسا COGEDEP صيف 84، وكان ضمنه سيّدات من سنّ متقدّمة نوعاً ما، وطلبن تمكينهنّ من حلّ لحميميتهنّ الخاصّة - وآنذاك كانت مشكلة الجفاف بعين خرزوزة - بتوفير المياه الكافية والمرافق الصحّيّة الخاصّة بهنّ وفي المستوى من الصعوبة والتي تحتاج إلى جرأة وقرارات، اقترح الهو بناء دوش/ حمّام في خيمة خاصّة، وبالفعل كان ذلك وسمّيناها (هنّ ) " خيمة الهاهر ". لن يسعفنا الوقت والذاكرة وصبركم على تعداد أجمل اللحظات التي بصمها الفقيد في ذاكرة الحركة في كل محطّات نضالنا، وعلى كلّ الواجهات. في كلّ الأماكن سيظلّ الجميع يتذكّر الطاهر في موقف أو سلوك أو موقف أو حركة، كانت مرتبطة به، لأنّه ببساطة كان دائم الحضور والفعل، وكانت علاقته مع الجميع علاقة تنتبه إلى أدقّ التفاصيل، لا ينسى مسؤوليّاته والتزاماته، بل ويضيف مساهمات الآخرين في إطار عمل جماعيّ وأخلاقيّ. منذ سنة 1967 لم يغب الطاهر يوماً عن الحركة، ولو كان خارج فضاء معيّن في يوم ما، فهو بكلّ تأكيد في عمل آخر لحركتنا مع مجموعة أخرى، ولا يلبث أن يعود بكلّ سرعة بعد الانتهاء من مهمّته إلى فضاء خرزوزة أو مركزنا بحيّ يعقوب المنصور أو فضائنا بسيدي مخلوف التي عشقها وارتبط بها إلى حدّ الولع. من رأس الشجرة ينطلق عبر أزقّة سلا القديمة ودروب الملاّح الجديد إلى سطح لاغار أو لالّة هنّو أو درب مولاي عبد الله أو سوق التحتي أو النوايل/أحباس يعقوب المنصور أو شارع مولاي يوسف، وأزقّة الدار البيضاء و آزرو و أزمور والحوزيّة ومسالك وشعاب الخرزوزة. في كلّ اتّجاه، وصوب كلّ أهدافه، لا يتوقّف عن مناقشة أو تبادل رأي من زمان الطروحات الأيديولوجيّة لشباب 65 و 68، إلى تحليل واقع العقل العربيّ، إلى زمن كلّ ترشيحاته النضاليّة في الجماعات المحليّة، إلى زمن طروحات الطفولة و لاميج حول اتّحاد المنظّمات التربويّة واللجنة الوطنيّة للتخييم، إلى المذكرة 162 سيّئة الذكر، إلى النضال من أجل تخصيص المخيّمات للجمعيّات وعدم تفويتها. وفي أوقاته الحرّة التي كانت نادرة لا يلعب إلا الطاولة والشطرنج ويلاعب الجميع، لا يدمن التلفزيون إلا سجائره التي لا يتخلّى عنها و لا يقبل أن تمنع عنه، فقمّة نشوته تصل إلى حدّ الرقص على نغمات قطعة روسيّة عمل على مغربتها. في الفصل الدراسيّ الذي لم يتوان في إعطائه من عرقه ومن وجدانه كلّ ما يملك من حب ومعرفة وبذل وجهد، سواء بتطوان أو ببوزنيقة أو بسلا، وفي نادي يعقوب المنصور أو نادي القناصل أو بنادي دار بلكبير، وفي كلّ الفضاءات الأخرى التي ترفع فيها لافتات الحركة وفعلها، و في كلّ لقاءات ومنتديات الحركة لم يغب عن الحضور و لم يكن آخر من يلتحق، بل كان هو الذي يستقبل وهو الذي يودّع، ويصرّ على أن تكون تلك هي القاعدة. إنّنا إذ نستحضر روح الفقيد نستحضر تقديره بخشوع لروّاد العمل الجمعويّ كلّه، فقد كان يعتبرهم آباء للجميع بكلّ معنى الكلمة، ومناضلين تربويّين في كلّ الإطارات والهيئات، هكذا كان تقديره الكبير والمتميّز للمرحومين السي محمّد الحيحي والسي محمّد السملالي والسي عليّ الإدريسي و اللوشي والعربي رودياس،، وهكذا ظلّ احترامه للسي الطيّبي وعبد الحفيظ المدوّر و العربي الزياتي وعبد الوفي بنبركة وعبد اللطيف لعلاوي و الكريمي و جبّور وغيرهم، أطال الله في عمرهم. ونستحضر من جهة أخرى مواقفه البنّاءة في كلّ محطّات الفعل الحركيّ، لا يتعنّت في موقف ولا يداري، بل يفصح بكلّ وضوح ولا يعاتب، ولا يؤاخذ من بعد إذا تبيّن عكس ذلك. لا يتراجع عن موقف إلا لصالح الأغلبيّة حيث يكون أوّل من ينخرط مباشرة في الاتّفاق. كما نستحضر سلوكه النضاليّ في دعم كلّ الشباب الطموحين، فكما تحمّل عدةّ مسؤوليّات في عدّة مستويات عن سنّ مبكّرة، كان يساند ويدفع الشباب الطموح إلى مواقع متقدّمة، ويؤطّرهم بدون أستاذيّة أو وصاية، لأنّها قناعة فكريّة صادقة واختيار بيداغوجيّ. على امتداد حوالي نصف قرن من العمل اليوميّ التربويّ والمداوم والمستمرّ، هذا هو الطاهر الذي نقف اليوم جميعاً من أجل تحيّته و تكريمه والدعاء له ونعزّي أنفسنا في فقدانه. عزاؤنا نحن هذه الصور الجميلة التي تعجز الكلمات عن التعبير عن كلّ مناقبه وأياديه البيضاء أمام تدافع الصور - والتي نطلب منكم العذر إن نحن اختزلناها مكرهين– لن تزول من ذاكرتنا لأنّ له مكانة خاصّة، والزمن/ العمر الذي قضيناه معاً وشم فينا صفاءه وأخوّته الصادقة، وعزاء أسرته الصغيرة رضاه عن أبنائه الذي يتجلّى في وجوههم والذي كان هو الهمّ الوحيد الذي يأخذه بقلبه و بكلتا يديه. نودّع الأخ الطاهر ونحن اليوم في حاجة ملحّة لرجال من طينته ليتحمّلوا عبء مسؤوليّة ردّ الاعتبار للعمل الجمعويّ الهادف، للعمل التربويّ الفاعل، الذين آمنوا بحقّ بالمساهمة في تطوّر الشعب ورفع مستواه، حين كنّا نكابد من أجل قولة أو شعار أصبح الآن تسفيهاً لخلفيّة ديكور إخراج رديء لأعمال تافهة. كيف عسانا أن نودّع الصديق والأخ والرفيق، فهذه الخسارة في فقدانه لن نقدر عليها مهما دارينا أنفسنا، لأنّه كان حجر زاوية مركزيّة في بنياننا بخمسينيّته الماضية، ورافعة رئيسيّة لخمسينيّة ثانية تعاهدنا جميعاً أن تكون مشعّة وضّاءة ومتجدّدة، أصرّ فقيدنا على الاستمرار في نعتها بذكرى إعادة التأسيس. شكراً لكم باسم كلّ أبناء حركة الطفولة الشعبيّة على مواساتكم، على حضوركم، على مشاركتكم، وأتمنّى عليكم، حفاظاً على محبّة الطاهر، أن تحبّوا أبناءه كما أحببتموه. أخي الطاهر، يا أمير خرزوزة، إنّ مكانتك ومقعدك دائماً بيننا، وصورتك حاضرة في قلوبنا، وصوتك سيظلّ يلقى بيننا المنصتين، فعملك الفكريّ شاهد على بصماتك المتميّزة والخالدة. فسلام عليك من كلّ إخوانك وأبنائك من صلبك ومن صلب انتمائك ووطنك أنت الذي أمضيت كلّ سنوات عمرك تفخر بالوطن وبهواه، وتعتزّ بجريانه في عروقك.
و﴿
وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً
مؤجلاً، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته
منها، وسنجزي الشاكرين
﴾ ﴾
. صدق الله العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. |
![]()
|